مطلوب الابتعاد عنه وتركه ، وما كان سببًا فيه يأخذ حُكْمه ، ولِذَا فلا يجوز العمل بالمظنون ، وترك العمل بذلك في الظنون المستقلة لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - ، فيبقى في غَيْرها على أصله ، ولِذَا جاز العمل بالمرجَّح المظنون ، ولا يجب إلا فيما رجح قطعًا .
مناقشة هذا الدليل:
وقد نوقش هذا الدليل: بأنّكم سلّمتم بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - في العمل بالظنون المستقلة بأنفسها ، فكيف تنفونه على الظنون غَيْر المستقلة بنفسها - وكلاهما مظنون - وقد انعقد الإجماع على وجوب العمل بالظن الذي لا يستقلّ كما انعقد على المستقلّ [1] ؟!
الدليل الثاني: أنّا لو قلنا"إنّ كُلّ مجتهد مصيب"فإنّ الترجيح لا يتحقق في المظنون ، بخلاف المقطوع ؛ فإنّ الحقّ واحد ، ولِذَا لا يجب العمل بالمظنون الراجح [2] .
مناقشة هذا الدليل ( لِلباحث ) :
ويمكن مناقشة هذا الدليل: بأنّكم بنيتم دليلكم على قاعدة ( كُلّ مجتهد مصيب ) ، وهي غَيْر مسلَّمة عندنا ، وإذا كان كُلّ مجتهد ليس مصيبًا كان الترجيح متحققًا حينئذٍ في المظنون كما المقطوع ؛ لأنّ الحقّ واحد .
الدليل الثالث: أنّ الترجيح بالبينات في الحكومات لا يجوز ؛ فإنّه لا يترجح بينة على بينة بعد استقلال كُلّ واحدة لو انفردت ، ولِذَا لا يجب العمل بالمظنون الراجح .
مناقشة هذا الدليل:
وقد ناقش إمام الحرمين الجويني - رحمه الله تعالى - هذا الدليل مِن وجْهيْن:
الوجه الأول: أنّ نفي الترجيح بالبينات في الحكومات ليس مسلَّمًا عند الجميع ؛ فقد رجَّح مالك - رضي الله عنه - وطوائف مِن علماء السلف البينة على البينة ، وليس مِن الإنصاف إلزام مجتهد فيه على القول في مسألة مسلكها القطع .
(1) - يُرَاجَع: الفائق 4/389 والبحر المحيط 6/130 ، 131 وشرح الكوكب المنير 4/619 ، 620
(2) - يُرَاجَع الفائق 4/389 ، 390