واتجاه القلة - عندي - هو الأوجه ؛ لِتعرضه لِحُكْم الترجيح ذاته أوّلًا ومِن ثَمّ حُكْم العمل به بَعْد ذلك ..
ولِذَا فإنّي أقسِّم الحديث في هذا المطلب إلى ما يلي:
1-حُكْم الترجيح بَيْن الأدلة المتعارضة .
2-حُكْم العمل بالدليل الراجح .
ونفصِّل القول في كُلّ واحد منهما فيما يلي ..
أوّلًا - حُكْم الترجيح بَيْن الأدلة المتعارضة:
إذا وقع تعارض بين الأدلة الشرعية وجب على المجتهدين والفقهاء المتبحرين إزالة هذا التعارض ولَمّا كان هذا الواجب - وهو إزالة أو دفع التعارض بَيْن الأدلة الشرعية لا يتحقق إلا بمراحل منها الترجيح بَيْن هذه الأدلة - كان الترجيح لِذلك واجبًا ؛ مِن باب ( ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب ) .
وفي ذلك يقول الشيرازي [1] رحمه الله تعالى:"إذا تعارض خبران ننظر فيهما: فإنْ أمكن الجمع بَيْنَهُمَا وترتيب أحدهما على الآخَر وجب الجمع واستعمال الخبريْن ، وإنْ لَمْ يمكن الجمع بَيْنَهُمَا وأمكن نسخ أحدهما الآخَرَ فعلى ما بيّنه في باب الأدلة التي يجوز التخصيص بها والتي لا يجوز ، وإنْ لَمْ يمكن ذلك وجب الرجوع إلى وجْه مِن وجوه الترجيح التي نذكرها" [2] ا.هـ .
ويقول الغزالي رحمه الله:"أمّا المقدمة الأولى: ففي بيان ترتيب الأدلة: فنقول: يجب على المجتهد في كُلّ مسألة أنْ يرد نظره إلى النفي الأصلي قَبْل ورود الشرع ثُمّ يبحث عن الأدلة السمعية المغيّرة ... ، فإنْ تَعارض قياسان أو خبران أو عمومان طلب الترجيح كما سنذكره ، فإنْ تَساويَا عنده"
(1) - أبو إسحاق الشيرازي: هو إبراهيم بن علِيّ بن يوسف بن عبد الله الشيرازي الشافعي رحمه الله تعالى ، وُلِد سَنَة 393 هـ .. مِن مصنَّفاته: التنبيه ، اللُّمَع ، التبصرة في الأصول . تُوُفِّي رحمه الله تعالى سَنَة 476 هـ . طبقات الشّافعيّة الكبرى 3/88 ووفيات الأعيان 1/5 .
(2) - شرح اللمع 2/391 .