وهذا المعنى الذي ذهبتُ إليه يُعَدّ جمعًا بَيْن المذْهبيْن أخذتُه وبنيتُه على كلام الفتوحي رحمه الله تعالى:"وهذا الوجه يشير قائله فيه إلى أنّ النزاع لفظيّ ، وهو أنّ مَن نفى الترجيح فإنما أراد لا يصحّ ترجيح مجموع مذهب على مذهب آخَر ؛ لِمَا ذُكِر ، ومَن أثبت الترجيح بَيْنَهُمَا أثبته باعتبار مسائلها الجزئية ، وهو صحيح ؛ إذ يصحّ أنْ يقال: مذهب مالك [1] في أنّ الماء المستعمَل في رفع الحدث طهور أَرْجَح مِن مذهب الشافعي وأحمد في أنه غَيْر طهور ، وكذا في غَيْرها مِن المسائل" [2] ا.هـ .
4-الترجيح في الشهادة:
اختلف الأصوليون في جريان الترجيح في الشهادة على مذْهبيْن:
المذهب الأول: عدم جواز الترجيح في الشهادة .
وهو اختيار الغزالي والفتوحي وابن عبد الشكور رحمهم الله تعالى [3] .
وفي ذلك يقول الأول رحمه الله تعالى:"أهْل الإجماع لَمْ يرجِّحوا في الشهادة ، وقد رجَّحوا في الرواية ، وسببه: أنّ باب الشهادة مبنيّ على التعبد ، حتى لو أتى عشرة بلفظ الأخبار دون الشهادة لَمْ تُقبَل شهادة مائة امرأة ولا مائة عبْد على باقة بقل" [4] ا.هـ .
المذهب الثاني: جواز الترجيح في الشهادة .
وهو منسوب إلى الإمام مالك - رضي الله عنه - ، واختاره الآمدي رحمه الله تعالى .
(1) - الإمام مالك: هو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك الأصبحي المدني - رضي الله عنه - ، إمام دار الهجرة ، أحد الأئمّة الأربعة ، وُلِد بالمدينة سَنَة 93 هـ .. مِن مصنَّفاته: الموطَّأ . تُوُفِّي - رضي الله عنه - بالمدينة سَنَة 179 هـ . الأعلام 3/824 والفتح المبين 1/117 - 123
(2) - شرح الكوكب المنير 4/624 ويُرَاجَع المدخل /395
(3) - يُرَاجَع: المستصفى /376 وشرح الكوكب المنير 4/621 وشرح العضد 2/310 والإبهاج 3/209 وتيسير التحرير 3/153 ومسلَّم الثبوت 2/204
(4) - المستصفى /376