بَعْد أنْ وقفنا فيما تقدَّم على تعريف الترجيح عند الأصوليين فإنه يمكن على ضوء التعريف الراجح استخراج أركان الترجيح التي لا بُدّ مِن وجودها لِتحققه ، ولا يتمّ الترجيح بتخلف واحد منها ..
فالترجيح لا بُدّ فيه مِن طرفيْن مرجَّح بَيْنَهُمَا ، وهُمَا: الراجح والمرجوح ، أي الدليلان المتعارضان , ويلزم - كذلك - قائم بعملية الترجيح: وهو المرجِّح .
ثُمّ لا بُدّ مِن اختصاص أحد الدليليْن بقوة ليست في الدليل الآخَر .
ولِذَا فإنّ أركان الترجيح - عندي - محصورة في ثلاثة:
الركن الأول: مرجَّح بَيْنَهُمَا ( الراجح والمرجوح ) .
الركن الثاني: مرجَّح به ، وهو ما اختص به أحد الدليليْن مِن قوة .
الركن الثالث: مرجِّح ، وهو المجتهد .
أمّا اعتبار الترجيح ركنًا رابعًا كما ذهب البعض [1] : ففي النَّفْس منه شيء ؛ لأنّ المرجِّح - وهو المجتهد - لا يُعتبَر ركنًا في الترجيح إلا إذا رجَّح بَيْن الدليليْن المتعارضيْن .
ثانيًا - شروط الترجيح:
لقد اشترط الأصوليون شروطًا لِلترجيح ، حصرتُها - مما وقفتُ عليه
منها - فيما يلي:
الشرط الأول: أنْ يكون بَيْن الأدلة .
مما لا شكّ فيه أنّ الترجيح يجري بَيْن الأدلة ، ولكن محلّ النزاع بَيْن الأصوليين هو جريانه في الدعاوى والمذاهب .
وذكر الزركشي - رحمه الله - أنّ الدعاوى لا يدخلها الترجيح ، وانبنى عليه أنّه لا يجري في المذاهب ؛ لأنّها دعاوى محضة تحتاج إلى دليل .
ورجَّح رحمه الله تعالى دخول المذاهب في الترجيح باعتبار أصولها ونوادرها وبيانها ؛ فإنّ بعضها قد يكون أرجح مِن بعض ، ولِذلك جرى الترجيح في البينات .
كما اختلفوا في جريان الترجيح في العقائد [2] .
(1) - يُرَاجَع التعارض والترجيح بَيْن الأدلة الشرعية 2/123 ، 124
(2) - يُرَاجَع: البحر المحيط 6/131 ، 132 والمسودة /309 والمدخل /395 ، وسيأتي تفصيل القول في ذلك - بإذن الله تعالى - في المطلب التالي ( محلّ الترجيح ) .