{… فربَّ حاملُ فقهٍ غيرُ فقيه ، وربَّ حاملُ فقهٍ الى من هو أفقه منه} (1) .
ولو تتَّبعنا هذا لطال بنا المقام بلا طائل ، وقد اتَّضح المقصود .
على أنَّ كلمة [ الظن ] قد تأتي بمعنى اليقين ، فلا يلتبسَنَّ عليك الأمر.. يقول تعالى: { وظنّوا ألا َّملجأ من الله إلاَّ إليه } (2) .
ويقول تعالى:
{ وجاءهم الموجُ من كلِّ مكانٍ وظنُّوا أنَّهم أُحيط بهم } (3) .
ويقول تعالى: { ورأى المجرمون النار فظنَّوا أنَّهم مواقعوها } (4) .
في كلِّ تلك الآيات وردت كلمة [ الظن ] بمعنى اليقين ، وذلك بدلالة الحال .
ومع كلِّ ما ذكرنا ، علينا أن نعلم ، أنَّ [ الظنَّ ] في العمليَّات ، أي ما يُسمى [ فقهًا ] ، الأخذ بهِ جائزٌ ..
أ رأيت كيف أنَّ [ يعقوب ] نفسُهُ ، أمر أولاده بالتفرق على الأبواب ، للأسباب التي ذكرناها ، وبنى على ظنِّه حُكمًا ؟.
أ رأيت أنَّ أولاده حين فُوجئوا بإخراج [ الصُواع ] من رحل أحدِّهم ، أرادوا دفع مُساءلة الكذب عنهم ، فقالوا:
{ وما شهِدنا إلاَّ بما علمنا وما كنَّا للغيب حافظين } .
أي: بنينا شهادتنا على غالب ظنِّنا ، وهذا يُنَزَّل منزلة اليقين ، ولم نقل باليقين المطلق ، لأنَّ ذلك لم نحفظْهُ ، فغاب عنَّا ! .
ولمَّا كانت الشهادة مما يُبنى على اليقين ، وهي المشاهدة ، فهم لم يشهدوا أية سرقةٍ من أحدهم ، ولذلك نفوا حدوثها .
ولو لم يعلموا أنَّ هذه حُجَّةً قد تنفعهُم ، لما أوردوها ، بل ويدلُّ ذلك على أنّ المصريين كانوا يعملون بها ، ويتعاطونها .
ومن الناحية القانونيَّة ، فإنَّ غالب أحكام القضاة تقوم على غالب الظن ، ولولا هذا لما استطاع قاضٍ أن يحسم دعوى ، أو يُصدر قرارًا في شكوى .
(1) راجع الترمذي / الحديث 2582 ، وبألفاظٍ متقاربة: راجع ابن ماجة .. وغيره .
(2) التوبة / 117 .
(3) يونس / 32 .
(4) الكهف / 53 .