الصفحة 12 من 66

{ وما لهم به من علمٍ إنْ يتَّبِعونَّ إلاَّ الظنَّ وإنَّ الظنَّ لا يُغني ..}

وقرن الله الظنَّ المذموم ، وهو الذي يكون في الغيبيّاَت ، بالهوى..فقال:

{ إنْ يتَّبِعون إلاَّ الظنَّ وما تهوى الأنفس..} (1) .

وجعله تعالى مقرونًا [ بالخَرْصِ ] تارةً اُخرى ، يقول تعالى:

{ إنْ يتَّبعون إلاَّ الظنَّ وإنْ هم إلاَّ يخرِصُوُن.. } (2) .

على أنّ [ يعقوب] - عليه السلام - استحق ثناء الباري عزّ وجلّ ، إذ أحسن الإتيان بالسبب المقدور على وجه يدعو الى القول ، أنَّه أجاد وأحسن استعمال ما تعلمَّ من ضرر الحسد ، وما يلزم لدفعه ، حتى قال تعالى بعد ما تقدم:

{…وإنَّه لذو علمٍ لِمَا علّمناه ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون } .

فهو ذو علم ... أي: يُحسنُ استعمال ما تعلّم .

أي: هو ذو [ مَلَكَةٍ ] في حسن استعمال المعلوم .

فلم يكن المراد حصول العلم عنده لا غير ، إذ هذا من ملزوم قوله تعالى:

[ علّمناه ] ، فمن تعلَّم كان ذا علم لا محالة ، فالتكرير ، مع تسليمنا بإباء كلام الله الأعزّ للحشو والتكرار غير البليغ ، يجعل العلم في الآية حينئذ مرادًا به أحد معانيه وهو:

[ المَلَكَة ] ، وهو ليس التعليم المراد في قوله تعالى [ علّمناه ] .. فلاحظ هذا جيّدًا ، ولا تغفل عنه ، وفقنا الله وإيّاك للصواب .

والمَلَكَةُ هي: حُسْنُ استعمال المعلوم ، حسنًا كان المعلوم أم سيِّئا .

ويؤيد هذا الفهم ، تأكيد القرآن الكريم [ عدم علم ] أكثر الناس !! ، وإلاَّ كيف يستقيم هذا مع كثرة مَنْ يعلم ممن نرى ونسمع ؟! ، فلا يصُحُّ حينئذٍ الإطلاق إلاَّ إذا كان المعنى كون أكثر العالِمين لا يُحسنون استعمال ما تعلّموا ، ولهذا نَدَر المبَرَّزون في كلا المجموعتين: المتعلّمين و العالِمِين .

وما كثرة حملة الشهادات في زماننا إلاَّ مصداقًا لِما نقول ! .

وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يقول:

(1) النجم / 23 .

(2) الأنعام / 116 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت