الصفحة 51 من 55

ثم إذا أتى - بعد ذلك، أو في أثنائه - مِن الثقات أو المتماسكين مَن يسمعه من أحد هؤلاء المدلِّسين، ثم يؤديه فيغلط فيجعل بدل العنعنة تصريحًا، فإذا الأمر قد صار ظلمات بعضها فوق بعض ولكنها تشبه النور، وكذب مصمت ولكنه مغلَّف بالصدق الموهوم؛ بناء كاد أن يكون محكمًا، أسَّسه الكذابون عن سوء قصد وخبث طوية، وأعانهم - أيما إعانة - الضعفاء والمغفَّلون، عن غفلة وحسن نية! بحيث ضمن أولئك الدجالون أن حديثهم المفترى سيقال فيه: إنه بمجموع طرقه حسن في أقل أحواله!! وما أكثر ما قيل في مثل هذا القبيل؛ فيا قرة أعين الكذابين لولا من جعلهم الله لهم بالمرصاد، من أئمة هذا الشأن، الذين لا يثبت أمام مثل هذه المعركة الحديثية سواهم فإنهم فرسان الحديث، ولا يشفي من مثل هذا الداء العضال غيرهم، فإنهم أطباء الرواية؛ ولكن كيف إذا أتى غيرهم من أهل الظواهر فرد عليهم إسقاطهم لتلك الرواية الساقطة أصلًا، وقال: لا يجوز توهيم الثقة بغير دليل؛ ماذا تُرى يقال لمثله؟ لعل السكوت والاسترجاع هو الأولى؛ فإن كان لا بد من مقال فليكن نحو هذا المثل المضروب قديمًا: (ويل لعالم أمر من جاهله) ، الله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

كل من أسقط من السند راويًا أو أكثر فلا بد أن يكون واحدًا مما يلي:

1-كاذبًا.

2-مدلسًا.

3-ناسيًا - سواء كان ثقة أو ضعيف الحفظ.

4-متعمّدًا معْتمدًا على القرينة الدالة على الإسقاط كالتاريخ ونحوه؛ وهذا هو الارسال بنوعيه الخفي الظاهر.ومعرفة ضوابط التفريق بين هذه الأصناف نافعة كثيرًا.

الراوي إذا ثبت أنه مدلس وثبتت عدالته لم تضره النكارة في بعض ما يرويه من الأحاديث - بالعنعنة - عن الثقات من شيوخه، لأن الحمل يكون حينئذ على الذين دلسهم أي أسقطهم تدليسًا، وهذا بخلاف غير المدلس فإنه إذا روى عن شيوخه أحاديث منكرة بأسانيد مستقيمة وكثر منه ذلك، فإنها تضره، وتكون تبعتها عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت