الصفحة 50 من 55

التدليس والإرسال الخفي أو الظاهر، ليس لواحد منها ضابط كلي باعتبار طبقات الرواة، كأن يقال: فلان كان يدلس عن التابعين ولا يدلس عن الصحابة؛ وقد علم أن الطبقات تتداخل وأن بعض التابعين أقدم وفاة من بعض الصحابة، وأن بعض التابعين أرسل عن بعض التابعين إرسالًا خفيًا أو جليًا، في حين كانت رواياته عن شيوخ له من الصحابة متصلة.

وفي الجملة فإن التدليس والإرسال الخفي والإرسال الجلي لا يخصها من يتعاطاها من الرواة بصغير ممن فوقه أو بكبير، هذا هو الغالب.

ولو افترضنا أنهم - أو بعضهم - كانوا يعيّنون من يذكرونه ويسمونه من شيوخهم، ويعينون أيضًا من يدلسونه منهم، فهل حُفظ ذلك كله؟ الظاهر أنه لم يحفظ منه إلا ما ندر؛ وحينئذ فهل يسهل على من بعدهم من النقاد وضع الضوابط الدقيقة المفصلة لمعرفة حدود تدليسهم بحسب طبقات شيوخهم، أو بحسب الأزمنة أو الأمكنة أو غير ذلك؟! هذا ما لا يتيسر بل هو غير ممكن.

فلا معنى إذن للتفصيل الزمني أو الطبقي الذي ذكره بعض الباحثين في شأن شيوخ جماعة من المدلسين.

التدليس أحد أهم وسائل الكذابين ودعاة البدعة والضلالة في تكثير أسانيد الأحاديث المختلقة والواهية وتمشيتها وترويجها؛ فإن قام بعض الدجالين بتركيب متن مرغوب فيه مزور على إسناد معروف، ودعا غيره من أمثاله إلى متابعته عليه؛ ثم قام هو أو غيره بإدخال هذا الحديث على بعض الضعفاء أو المغفلين؛ وقام هو أو غيره أيضًا بتلقينه لمن يقبل التلقين؛ ثم حمله عن هؤلاء الدجالين والهالكين والضعفاء والمغفلين والملقَّنين واحد - أو أكثر من واحد، من الرواة المدلسين، ثم رواه هؤلاء المدلسون مدلَّسًا؛ أي رووه عمن رواه عنه أولئك الكذابون ومن تابعهم من الضعفاء والغالطين، فكم طريقًا سيكون لهذا الحديث، وكم سيكون اتساع دائرة انتشاره واشتهاره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت