علماء العلل الأصل الأول عندهم هو التفصيل، فإن عدموه صاروا إلى القواعد مع ملاحظة القرائن واختلاف الأحوال من راو إلى راو، ومن حديث إلى آخر، ومن مقام إلى غيره؛ ولكن من لم يَسِر على طريقتهم تراه يقدم القواعد ويصبها في قوالب جامدة ويجمد هو عليها؛ وهذا لا يصح.
والحاصل أن طريقة علماء العلل في عنعنة الموصوف بالتدليس هي الحكم على حديثه بحسب أعلى ما عندهم من التفصيل، وأحيانًا يكون لديهم معرفة مفصلة بكل حديث من أحاديث ذلك المدلس.
فإن لم يجدوا سبيلًا إلى ذلك صاروا إلى مرتبة أقل تفصيلًا ولكنها تشبه التفصيل وتقاربه، مثل معرفتهم بأن فلان المدلس كان ملازمًا لشيخه الفلاني وسمع منه كل ما رواه عنه سوى حديثين، ولكن تلك الحديثين لم يتعينا، ثم يجدون في رواياته عنه حديثًا يستنكرونه أو يستغربونه ويرويه عنه بالعنعنة، فلا يجدون مانعًا بل ولا بدًا من حمله على التدليس؛ ومثل أن يعلموا أن يحيى بن سعيد القطان كان لا يكاد يحمل عن شيوخه إلا صحيح حديثهم، فيجعلون هذا قرينة مرجحة للحكم بالاتصال لعنعنة مدلس في حديث رواه عنه تلميذه يحيى.
فإن عدموا هذه الدرجة من التفصيل نزلوا إلى التي دونها، وهي مستندة إلى أصول وخطوط عريضة مختصة بذلك الراوي، مثل كونه مقلًا في تدليسه عن كبار شيوخه، أو مكثرًا في تدليسه فيما رواه عن الكوفيين، أو نحو ذلك.
فإن لم يتيسر لهم معرفة ذلك ونحوه من الاستثناءات والضوابط انتهوا إلى ما يبدأ به غيرهم من أهل الإجمال، من المتأخرين وغيرهم، وهو الحكم بالانقطاع على ما يرويه المدلس معنعنًا، وبالاتصال على ما يرويه مصرحًا بسماعه.