الصفحة 46 من 55

وهذا المذهب هو أرجح المذاهب وأقربها، وعليه دلت عبارات وتصرفات كبار النقاد وعلماء العلل وعليه جرى عمل أكثرهم، فتأمل مثلًا ما جاء في الصحيحين من عنعنة الموصوفين بالتدليس، وكذلك ما جاء من ذلك في صحيح ابن خزيمة وما صححه من ذلك الترمذي في سننه؛ وقال يعقوب بن شيبة السدوسي كما في (الكفاية) (ص362) : سألت علي بن المديني عن الرجل يدلس أيكون حجة فيما لم يقل: حدثنا؟ قال: إذا كان الغالب عليه التدليس فلا حتى يقول: حدثنا. وانظر (شرح علل الترمذي) لابن رجب (1/ 353 - 354) وقد قال أبو داود - كما في شرح علل الترمذي (583) -: (سمعت أحمد سئل عن الرجل يعرف بالتدليس في الحديث، يحتج به فيما لم يقل فيه: حدثني أو سمعت؟ قال: لا أدري) ؛ فالظاهر من هذا الجواب أن الإمام أحمد لا يحكم على عنعنة المدلس بحكم كلي بل ينظر إلى الملابسات والقرائن وأن الحكم على عنعنة المدلسين لا يصح أن يكون واحدًا وإنما هو أحكام متعددة؛ بل الحكم على عنعنة الراوي الواحد قد يختلف من حال إلى حال.

هذا وقد بقي مذهبان آخران في حكم رواية المدلس أعني الثقة الذي يدلس عن الثقة وغيره، [وأما رواية المدلس الضعيف فالأصل فيها الرد صرح أو لم يصرح. وأما رواية المدلس الذي لا يدلس إلا عن ثقة فالأصل فيها القبول صرح أو لم يصرح] ؛ وهذان المذهبان هما:

الأول: مذهب الشافعي ومن تبعه كابن حبان والخطيب؛ وعلى ظاهره أكثر المتأخرين والمعاصرين؛ قال الإمام الشافعي في (الرسالة) (ص379-380) : (من عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته ... فقلنا: لا نقبل من مدلس حديثًا حتى يقول فيه: حدثني أو سمعت) . ا.هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت