فإذا نص الحفاظ في حق بعض المدلسين أنه لم يسمع من شيخ معين له إلا القليل كأن يكون سمع منه حديثًا أو حديثين أو نحو ذلك ثم روى عنه أحاديث كثيرة فحينئذٍ يكون الأصل في روايته الانقطاع إلا ما صرح فيه بالسماع أو نص الحفاظ على أنه سمع هذا الخبر بعينه عمن رواه عنه ونحو ذلك.
ولذلك كان من النافع المهم معرفة قدْر ما روى الراوي عن شيخه متصلًا إن أمكن ذلك؛ فإنه إذا روى عنه غير ذلك علمنا أنه إنما تلقاه عنه بواسطة فأسقطها. لكن هذا الطريق يوجب تحريًا شديدًا قبل الجزم به.
ومثال على هذا رواية الحسن عن سمرة، ثبت في صحيح البخاري سماعه من سمرة لحديث العقيقة وقد روى نحوًا من (164) حديثًا بالمكرر كما في (معجم الطبراني الكبير) (7/6800 -6964) .
وبعض هذه الأحاديث فيها نكارة، ولا شك أن العلة في ذلك ليست من الحسن لأنه إمام، فعلى هذا تكون العلة من الواسطة بينهما، ودل ذلك على أن القول الراجح في رواية الحسن عن سمرة أن الأصل فيها الانقطاع، والقول بأنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة قول قوي، وقد أخرج عبد الله بن أحمد عن أبيه ثنا هشيم أخبرنا ابن عون قال: (دخلنا على الحسن فأخرج إلينا كتابًا من [لعلها عن] سمرة ...) . ا.هـ من (العلل) (2/260) ؛ فهذا يؤيد أنها صحيفة ولم تكن سماعًا، والله أعلم.
والحاصل أن الراوي الموصوف بالتدليس إذا كان مكثرًا جدًا من الرواية عن شيخ معين وكان طويل الملازمة له فالأصل في روايته أنها تحمل على الاتصال؛ وأنه إذا كان مكثرًا من التدليس أو مقلًا من السماع عن شيخه أو غير ملازم له فالأصل في عنعنتهم الرد.
فهذان أصلان مقرران والناقد المتمكن يخرج عنهما بحسب اجتهاده وما يلاحظه من القرائن.