الصفحة 44 من 55

ينبغي عند نقد روايات الموصوفين بالتدليس التفريق في الحكم بين المكثر من التدليس والمقل منه، والتفريق بين عنعنة المدلس عمن هو كثير الملازمة له وعنعنته عن غيره؛ والتفريق بين المكثر عن شيخه والمقل عنه؛ وينبغي ملاحظة القرائن والمظان، وحال الرواية من جهة الغرابة والنكارة ونحوهما.

فإذا كان الراوي الموصوف بالتدليس مكثرًا جدًا من الرواية عن شيخ معين وكان طويل الملازمة له فالأصل في روايته أنها تحمل على الاتصال، لأنه يندر أن يفوته شيء من أحاديثه، فالظاهر أنه سمع جميعها، أو أنه لم يفته منها إلا النادر الذي لا يمنع من قبول عنعناته عن ذلك الشيخ، لأن النادر لا حكم له ولا تبنى عليه القواعد؛ فلا تضر مروياتِه عنه عنعنتُه فيها إلا بقرينة تقتضي إعلال الرواية بتلك العنعنة؛ قال الذهبي في (الميزان) 2/ 224 عن الأعمش: (وهو يدلس وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به فمتى قال: حدثنا، فلا كلام، ومتى قال(عن) تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم كإبراهيم وأبي وائل وأبي صالح السمان فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال).

ونحو ما قيل في الملازِم يقال في المكثر من السماع عن شيخه ولو لم يلازمه إذا كان ذلك الإكثار مقاربًا لاستيعاب أحاديث ذلك الشيخ؛ ومعلوم أنه ليس المراد بالإكثار هنا كثرة التحديث عن الشيخ؛ وإنما المراد كثرة التحمل منه بلا واسطة.

وكذلك المقل من التدليس الأصل في عنعنته القبول؛ قال البخاري: (ولا أعرف للثوري عن حبيب بن أبي ثابت ولا عن سلمة بن كهيل ولا عن منصور - وذكر مشايخ كثيرة - لا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليسًا، ما أقل تدليسه) . اهـ من (العلل الكبير) للترمذي (2/966) .

ولكن مع ذلك يُحتاط في عنعنة هؤلاء الثلاثة (أعني الملازِم، والمكثر عن شيخه، والمقل من التدليس) أكثر مما يحتاط في عنعنة من لم يوصف بتدليس أصلًا.

وأما المكثر من التدليس والمقل عن شيخه وغير الملازم له فالأصل في عنعنتهم الرد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت