من شروط قبول عنعنة وحملها على الاتصال أن يكون المدلس ثقة، لا ضعيفًا؛ فإن المدلس الضعيف إذا روى عن شيخ له وصرح بسماعه منه، فإنه يحتمل أن يكون مخطئًا في ذلك التصريح، وأن الواقع أنه إنما أخذ ذلك الحديث عن ذلك الشيخ بواسطة، ثم أسقطها وهمًا، لا تدليسًا ولذلك صرح بالسماع بناء على ما توهمه وإلا عُدَّ كاذبًا.
ولا غرابة في هذا فالضعيف يخطئ بأكثر من هذا؛ بل لا يُستبعد أنه لم يتحمل ذلك الحديث من طريق هذا الشيخ أصلًا، لا بواسطة ولا بدونها؛ وإنما دخل عليه حديث في حديث.
الاحتراز من تدليس صيغة الأداء، أي تدليس نوع التحمل، من قِبل مدلِّس الإسناد المصرِّح بالسماع
لحمل عنعنة المدلس الثقة على الاتصال لا بد من احتراز أن يكون ذلك المصرح بالسماع ممن له في بعض ألفاظ السماع اصطلاح خاص ينافي الاتصال، كأن يكون ممن يرى جواز إطلاق لفظ التحديث في الإجازة أو الوجادة، أو ممن يرى التسامح في هذه الألفاظ، بإطلاقها في موضع السماع وغيره، كما ذكر الإمام أبو بكر الإسماعيلي أن المصريين والشاميين يتسامحون في قولهم: (حدثنا) من غير صحة السماع، منهم: يحيى بن أيوب المصري؛ ونقل عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه أنه قال: كان سجية في جرير بن حازم، يقول: (حدثنا الحسن، قال: حدثنا عمرو بن تغلب) ؛ وأبو الأشهب يقول: (عن الحسن قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن تغلب) .
قال الحافظ ابن رجب: (يريد أن قول جرير بن حازم:"حدثنا الحسن حدثنا عمرو بن تغلب"كانت عادة له لا يرجع فيها إلى تحقيق) .
وقد ذكر أبو حاتم نحو هذا في أصحاب بقية بن الوليد، أنهم يَرْوُون عنه عن شيوخه ويصرحون بتحديثه عنهم، من غير سماع له منهم.
وكذلك قال يحيى بن سعيد القطان في فِطْر بن خليفة: أنه كان يقول: (حدثنا فلان بحديث) ، ثم يدخل بينه وبينه رجلًا آخر، كان ذلك سجيه منه؛ ذكره العقيلي في (الضعفاء) .