الصفحة 41 من 55

إذا ثبتت إلى المدلس المكثر من التدليس روايته لحديث معين بالعنعنة، فرواه عنه كذلك غير واحد من ثقات تلامذته، وتفرد بعض الضعفاء من تلامذته بأن جعل مكان العنعنة تصريحًا بالسماع؛ فهذا التصريح إما أن يحكم عليه بالنكارة على أنه مخالفة لرواية الثقات، أو بالضعف على أنه زيادة تفرد بها وهو ضعيف.

وعلى الاحتمالين فلا يصح - كما هو ظاهر - أن يعتمد على هذه الرواية لإثبات سماع هذا المدلس لهذا الحديث من ذاك الشيخ؛ لأنه لا اعتماد على رواية منكرة ولا ضعيفة.

وليس هذا من باب الاستشهاد حتى يتسامح في إسناده، بل هو من باب الاحتجاج؛ لأن لفظ السماع لم يجيء إلا في تلك الرواية التي جاء بها ذاك الضعيف، فمن أثبت السماع بتلك الرواية، فقد احتج بها وحدها.

ومعلوم أن الإسناد الضعيف لا تقوم به الحجة لإثبات الرواية، فكيف بإثبات السماع، الذي هو من أخص تفاصيلها ويحتاج إلى حفظ وإتقان، وقد يهم فيه الثقة فضلًا عن الضعيف؟!

روى ابن أبي حاتم عن أبيه، قال:(سألت أبا مسهر: هل سمع مكحول من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: سمع من أنس بن مالك؛ فقلت له: سمع من أبي هند الداري؟ فقال: من رواه؟ قلت: حيوة بن شريح، عن أبي صخر، عن مكحول، أنه سمع أبا هند الداري يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكأنه لم يلتفت إلى ذلك.

فقلت له: واثلة بن الأسقع؟ فقال: من؟ قلت: حدثنا أبو صالح كاتب الليث: حدثني معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع. فقلت: كأنه أومأ برأسه، كأنه قبل ذلك)اهـ.

فكان حكم أبي مسهر بإثبات السماع ونفيه ينبني على حال إسناد الرواية التي جاء فيها ذكر السماع، وأقره على ذلك أبو حاتم وأقرهما عليه ابن أبي حاتم.

اختلاف حكم تصريح المدلس الضعيف، بالسماع، عن حكم تصريح المدلس الثقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت