وفيما يلي تلخيص لأهم طرق إقرار الراوي بأنه يتعاطى التدليس، أو تصريحه بما يُفهَم منه أنه كذلك: الطريقة الأولى: أن يُسأل - في حال التحديث بلا تأخير - عن رواية عنعن فيها، فيخبر السائلَ أنه دلَّسها أو أنه لم يسمعها ممن رواها عنه.
ومثال هذا ما كان يفعله شعبة، كثيرًا، مع شيخيه قتادة وأبي إسحاق.
الطريقة الثانية: أن يسأل بعد مجلس الأداء بمدة، قد تطول أو تقصر، عن سماعه من شيخ معين إما سؤالًا مقيدًا بشيء معين، أو سؤالًا مطلقًا، فيجيب بأنه لم يسمع ذلك الشيء منه، أو يجيب بأنه لم يسمع منه شيئًا أصلًا.
ومثال هذا ما جاء عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي؛ قال الليث: (قدمت على أبي الزبير فدفع إليَّ كتابين وانقلبت بهما، ثم قلت في نفسي: لو عاودته فسألته أسمع هذا كله من جابر؟ فقال: منه ما سمعتُ، ومنه ما حُدثناه عنه) ؛ فهذا يعني أنه مدلِّس.
الطريقة الثالثة: أن يقول ما يُعرَف به أنه مدلس، قال أبو بكر بن عياش: (قال لي حبيب بن أبي ثابت: لو أنَّ رجلًا حدثني عنك ما باليتُ أن أرويه عنك) ؛ فهذا كافٍ في نسبة حبيب إلى التدليس ووصفهِ به.
وسائل اكتشاف التدليس في الحديث
إذا وُجد في إسناد الحديث عنعنة راو مدلس، فالحديث يحتمل أن يكون مدلَّسًا، ويحتمل أن يكون غير مدلَِّس؛ فإن نصّ العلماء العارفون على أنه مدلَّس فذاك؛ وإلّأ احتاج الباحث إلى دراسة القضية.
وحينئذ فإنَّ أهم السبل المؤدية إلى اكتشاف التدليس في الروايات هي جمع الطرق والأسانيد والتبحر في نقدها ومقارنتها ببعضها، وجمع ما يتعلق بالمسألة من أقوال النقاد والمؤرخين، ولا سيما علماء العلل منهم، وملاحظة القرائن والاحتمالات، بتدقيق النظر وإطالة التأمل.