وسكوت الناقد عن وصف الراوي بالتدليس أقلُّ دلالةً - بكثير - من سكوته عن تجريحه أو تعديله؛ فإنهم لا يكادون يسكتون في كتب الجرح والتعديل عن بيان حاله في الرواية من جهة نفسه، أعني صفته من حيث العدالة والضبط، ولكنهم كثيرًا ما يسكتون عن بيان حال أسانيده من حيث الاتصال والانقطاع، ومن ذلك إرساله وتدليسه؛ ولكن إذا لم يذكروه بالتدليس في كتبهم التي ألفوها في التدليس والمراسيل ولا ذكروه في كتب العلل ولا أعلوا حديثًا بعنعنته؛ فمعنى هذا أنه غير مدلس عند صاحب هذا الكتاب.
ولكن من النقاد من هو دون غيره في العلم والتمييز، فإذا انفرد مثله بوصف أحد الثقات المشاهير بالتدليس، فيحمل كلامه على تدليس الأسماء، أو الإرسال الخفي، أو يكون واهمًا في تلك الدعوى، أو مقلدًا لمن لا يصح الاعتماد عليه في مثل هذه المسائل، أو غير ذلك من الوجوه؛ ومثال ذلك ما يقع من ابن سعد أحيانًا.
معنى قلة الواصفين للراوي بالتدليس
من لم يصفه بالتدليس إلا الواحد والاثنان من النقاد مع كثرة من بيَّن حاله في الرواية منهم، فإن ذلك دال على قلة تدليسه؛ ولكن ثَمَّ فرقٌ بين قوة ثبوت تدليس من وصفه بالتدليس الأئمةُ العارفون به، وتدليس من وصفه به غيرهم.
إقرار الراوي بتدليس حديث
إذا أقرَّ الراوي بتدليسه لحديث يرويه فهو حديث مدلَّس، كما هو بيِّن؛ ويقوم مقامه في الاعتراف شيخه الذي عنه روى الحديث، أو أحد أقرانه ممن حضر مجلس السماع؛ أو من خالطه من الأئمة النقاد؛ أو غيرهم من المطلعين على شأنه في ذلك الحديث.
كيف يحصل الإقرار بالتدليس
الاعتراف بالتدليس إما أن يكون إقرارًا من الراوي بتدليس حديث بعينه، وهذا يكفي لإدخاله في جملة المدلسين، أو يكون إقرارًا بوقوع التدليس منه في الجملة، من غير أن يذكر حديثًا دلس فيه، بعينه، وقد يقول كلامًا يُفهم منه أنه يدلس.