قال العلامة المعلمي في (الأنوار الكاشفة) (ص161-162) في بيان هذه المسألة: (وذكر [أبو رية] ص165 ما حكي عن شعبة في ذم التدليس وقال:(ومن الحفاظ من جرح من عرف بهذا التدليس من الرواة، فرد روايته مطلقًا وإن أتى بلفظ الاتصال) .
أقول: بعد أن استحكم العرف الذي مر بيانه نشأ أفراد لا يلتزمونه، وهم ضربان: الضرب الأول: من بين عدم التزامه فصار معروفًا عند أصحابه والآخذين عنه أنه إذا قال: (قال فلان 000) ونحو ذلك وسمى بعض شيوخه احتمل أن يكون سمع الخبر من ذاك الشيخ واحتمل أن يكون سمعه من غيره عنه. فهؤلاء هم المدلسون الثقات. وكان الغالب أنه إذا دلس أحدهم خبرًا مرة أسنده على وجهه أخرى. وإذا دلس فسئل بيّن الواقع.
والضرب الثاني من لم يبين بل يتظاهر بالالتزام ومع ذلك يدلس عمدًا.
وتدليس هذا الضرب الثاني حاصله إفهام السامع خلاف الواقع ، فإن كان المدلس مع ذلك متظاهرًا بالثقة كان ذلك حملًا للسامع ومن يأخذ عنه على التدين بذاك الخبر عملًا وإفتاءً وقضاءً.
فأما تدليس الضرب الأول فغايته أن يكون الخبر عند السامع محتملًا للاتصال وعدمه، وما يقال إن فيه إيهام الاتصال إنما هو بالنظر إلى العرف الغالب بين المحدثين، فأما بالنظر إلى عرف المدلس نفسه فما ثم إلا الاحتمال.
فالضرب الثاني هو اللائق بكلمات شعبة ونحوها وبالجرح وإن صرح بالسماع.