وكراهية غير المسلم لكفره لا تمنع مجاملته في الخطاب الذي لا ينقص من قدر الدين، دفعا لأذاه أو وصولا إلى نفع للمسلمين منه، ففي الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (استأذن على النبي $ رجل فقال ائذنوا له فبئس ابن العشيرة أو بئس أخو العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام، فقلت له: يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له في القول، فقال: أي عائشة، إن شر الناس منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه) (5) ، وذكر البخاري عن أبي الدرداء قوله: (إنا لَنَكْشِر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم) (6) ، (الكشر: ظهور الأسنان وأكثر ما يطلق عند الضحك) (7) .
فمداراة الكافر جائزة، ومداهنته لا تجوز لأن مداهنته لا تكون إلا مع بذل الدين، قال القاضي عياض: (المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا، وهي مباحة، وربما استحبت، والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا) (8) .
قال ابن بطال في شرح الحديث السابق: (المداراة من أخلاق المؤمنين وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة، وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة، فغلط، لأن المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرمة، والفرق أن المداهنة من الدهان وهو الذي يََظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه) (9) .
هذا هو الحكم مع غير المسلمين في التعايش معهم إذا أحسنوا وسالموا، أو الإغلاظ عليهم وتحريم مداهنتهم إذا أضرّت بالدين أو انتُهكت حرمات المسلمين، فما هو واقع المسلمين اليوم معهم يا ترى؟ وأي الأمرين إذا تواصلوا معهم يقعون فيه؟ البر والمعايشة المأذون فيها، أم المداهنة المحرمة؟