فالتعايش مع غير المسلمين والتواصل معهم مشروط بكف أذاهم عن المسلمين، وقد بين الله تعالى لنا هذا الأصل في سورة الممتحنة أتم بيان قال تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين(.
والبر المأذون فيه حسن المعاملة وحسن الكلام والتواصل في المعروف، والقسط إليهم ـ العدل في المعاملة بمثل ما يعامِلون به من التقرب والتعاون والتوافق، فالمبدأ الذي أسسته هذه الآية في خطاب ومعاملة غير المسلمين، جمع مع التقيد بالثوابت، حظا وافرا من التعايش والمرونة في القول باستعمال لغة العصر ووسائل الإقناع التي تراعي حال المخاطب وثقافتَه وعلمَه وأسلوبَ تفكيره، ونمطَ حياته، وعاداته ومحيطَه الاجتماعي وما إلى ذلك من المتغيرات التي تختلف من مجتمع لآخر، فمراعاة ما ذكر متعين لمن يريد توصيل الخطاب إلى عقل الآخرين فيما يُعرض من قضايا، قال الله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم( فإن المعنى القريب المتبادر من الآية هو كلام الرسول بلغة المرسل إليهم لا بلغة غيرهم، لكنه يشمل أيضا الطريقة والمنهج الذي يكون به الخطاب وتصل به الرسالة إلى عقل المرسَل إليهم، بحيث تراعى أحوالهم ومناهجهم في الإقناع وطريقة تفكيرهم، والتدرج بهم بالمسلمات التي لا يحتاج المُعرض في قبولها إلى كبير عناء، إذ القبول والإقناع هو الغاية من الخطاب في الآية، ولذلك جاء قوله تعالى فيها (ليبين لهم( أي يجدون الكلام بينا في الحجة لا يقدر السامع المنصف على صده والانفكاك عنه، وفي صحيح البخاري عن علي رضي الله عنه:(حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ) (4) .