والامتناع عن تفصيلات مسائل العقيدة في الخطاب الديني للعامة هو سبيل سلف الأمة، وأئمة المذاهب الذين هم محل القدوة، سئل الإمام مالك عن أهل البدع، قال: (أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله تعالى وصفاته، وكلامه وعلمه وقدرته، ولا يكفون عما سكت عليه الصحابة والتابعون) (45) ، وقال للسائل عن الاستواء: (الإقرار به واجب والسؤال عنه بدعة) ، وقال: أخرجوه، ونقل الحافظ ابن عبد البر الامتناع عن الكلام في كل ذلك عن الفقهاء والعلماء قديما وحديثا من أهل الحديث والفتوى، قال: وإنما خالف في ذلك أهل البدع (46) .
يقول ابن عبد البر: (الكلام في صفات الباري يستبشعه أهل السنة، وقد سكت عنه الأئمة، فما أشكل علينا من مثل هذا الباب بشبهة أمررناه كما جاء، وآمنا به كما نصنع بمتشابه القرآن، ولم نناظر عليه، لأن المناظرة إنما تسوغ وتجوز فيما تحته عمل، ويصحبه قياس، والقياس غير جائز في صفات الباري تعالى) (47) ، وقال: كان مالك يقول: (أدركت أهل هذا البلد ويعني ـ المدينة ـ وهم يكرهون المناظرة والجدال إلا فيما تحته عمل، قال: يريد مالك ـ رحمه الله ـ الأحكام في الصلاة والزكاة والطهارة، ولا يجوز عنده الجدل فيما تعتقده الأفئدة، مما لا عمل تحته أكثر من الاعتقاد) (48) .
ومن كلام لابن عقيل الحنبلي: (يكفي في صحة إيمان المسلم أن يقول القرآن كلام الله، ولا يخوض فيه، وهو الذي كان عليه أصحاب رسول الله $ والتابعون، فيسكت عما سكتوا عنه، فإن الصحابة ماتوا وما خاضوا في القرآن ولا في الصفات) ، (ومن رأى أن طريقة المتكلمين أجود من طريق أبي بكر وعمر فبئس الاعتقاد) (49) .