الصفحة 27 من 36

وقد حذر القرافي وغيرُه من المحققين من الاعتماد في الفتوى على ما انفردت به الكتب المتأخرة، فقال: (تحرم الفتوى من الكتب الغريبة التي لم تشتهر، حتى تتظافر عليها الخواطر ويُعلَم صحة ما فيها، وكذلك الكتب الحديثةُ التصنيف، ـ ويقصد حديثة بالنسبة إلى عصره ـ إذا لم يشتهر عزوُ ما فيها من النقول إلى الكتب المشهورة، أو يُعلم أن مصنّفها كان يعتمد هذا النوع من الصحة، وهو موثوق بعدالته) (33) ، ويقول: (إن حواشيَ الكتب تحرم الفتوى بها، لعدم صحتها والوثوق بها) ، ومراده إذا كانت الحواشي غريبة النقل، كما قيّد ذلك ابن فرحون في التبصرة بعد أن نقل كلام القرافي (34) .

وقال أيضا في شرح المحصول: (ينبغي أن يُحذّر مما وقع في زماننا من تساهل بعض الفقهاء بالفتوى من الكتب الغريبة، التي ليس فيها رواية المفتي عن المجتهد بالسند الصحيح، ولا قام مقام ذلك شهرةٌ عظيمة تمنع من التصحيف والتحريف بسبب الشهرة، وبالغ بعضهم في التساهل حتى صار إذا وجد حاشية في كتاب أفتى بها، وهذا عدم دين وبعدٌ شديد عن القواعد) (35) ، وقال: (كان الأصل يقتضي ألا تجوز الفتوى إلا بما يرويه العدل عن العدل عن المجتهد الذي يقلده المفتي حتى يصح ذلك عند المفتي، كما تصح الأحاديث عند المجتهد، لأنه نقل لدين الله في الوصفين، وغير هذا كان ينبغي أن يحرم، غير أن الناس توسعوا في هذا العصر، فصاروا يفتون من كتب يطالعونها من غير رواية، وهو خطر عظيم في الدين، وخروج عن القواعد) (36) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت