وقد أوجد الإعراض عن الدليل بالكلية في الخطاب في الوقت الحاضر طبقة جامدة من المنتمين إلى العلم، تُعطِي تسليما وقبولا، بل تفضيلا لكل ما وُجد في بعض الحواشي المتأخرة، من أقوال غريبة، وتُفتي به مهما كانت مخالفته واضحة للكتاب والسنة، ولأصول المذاهب المعتمدة، وما دُوِّن في مصادره الأولى، ولا يشك عاقل في أن الغريب الذي تفردت به هذه الكتب دخيل على الفقه، تسرَّب إليه من الكتب التي تعتمد في الأحكام الشرعية الخواطر والكرامات، حتى إنك لو قلت لأحدهم هذا الحكم ذكره فلان في شرح كذا، أو حاشية كذا لوقف عنده، والتزم به، وجعله حجة، أما لو قلت له هذا مخالف لقول الله تعالى، أو قول رسول الله $، أو لقول إمام المذهب نفسه الذي يتقلده، كأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي، فإنه يتحير، ويتعلق بما وجده غريبا في ذلك المصدر المتأخر مما لا أصل له عند الأئمة المتقدمين، ولا في دواوينهم، ويتأول لما وجده في هذه الكتب المتأخرة مخالفا لصحيح العلم، بتأويلات متكلَّفة، لا يقبلها عقل ولا نقل، فأعطى بذلك لكل من دب وهب ومن لم يتأهل من الفريق المقابل في النزاع ذريعة للحط من فقه الأئمة والانتساب إليهم والاستخفاف بهم بحجة العمل بالكتاب والسنة والتحاكم إلى الدليل، فالتفريط من الفريق الأول في الدليل واعتمادهم من المصادر في العلم ما لم يعتمد، قوبل من الفريق الثاني بالإفراط والتسفيه للتراث الفقهي الذي هو مفخرة للمسلمين.