الصفحة 23 من 36

ولو عوقب المخطئ من العلماء بترك قوله لعوقب أهل العلم جميعا، بل لعوقب جميع المسلمين، فإنه ما منهم من أحد إلا وله أقوال اجتهد فيها، أو قلد فيها، وهو مخطئ فيها، فلو عاقب الله المخطئ لعاقب جميع الخلق (31) .

الاختلاف في واقعنا المعاصر:

جانب كبير من الاختلاف في الخطاب في واقعنا المعاصر يجري على غير الصواب، ليس بين عامة المسلمين أفراد وجماعات فحسب، بل بين العلماء والمصلحين أيضا، على حين أن الذي تقتضيه مسؤولية العاملين لله، العالمين بشرعه، أن يجري الخلاف بينهم إن جرى، على سنن المهتدين، ومنهج المجتهدين، منهج الاستدلال المضبوط بقواعده العلمية.

الاختلاف بين كثير من أهل العلم في أيامنا أخطأ سبيله القويم، الذي كان عليه أئمة المؤمنين، ولم يسلم في غالبه من المحاذير، محاذير الانتصار للنفس، والتعصب للرأي والشيخ والجماعة والطائفة، ومغالبة الخصم، وأنفة الرجوع إلى الحق، قسموا العلماء على نحو ما قسمت غلاة الطرق شيوخهم ورؤساءهم، تحزبوا تحزب الطوائف الجاهلة، وحلت أخوة الانتماء إلى الشيخ والجماعة محل أخوة الإيمان التي لا يعرف القرآن أخوة غيرها، دخل بينهم التصنيف الذي هو داعي الفرقة، هذا عالم رباني، وهذا غير رباني، وهذا مبتدع، وهذا إخواني، وهذا معطّل، وهذا مرجئ، كل ذلك باسم هجران صاحب البدعة، أو باسم الولاء والبراء، الذي أصابه من التشدّد وعدم سلامة التطبيق ما أصاب غيره، وانعكست آثار ذلك كله على الخطاب الديني سلبا، ورميه بالغلو والتطرف.

المأمول من أهل العلم عند الاختلاف، أن تتجه الهمة إلى إحقاق الحق، وجمع الكلمة، والتعاون على ما فيه مصلحة الأمة، وما ينفع الناس في أمور الدنيا والعاقبة، والتماس العذر للمخالف في الأمور الاجتهادية بعد بيان خطئه بالحسنى والنصح إن كان مخطئا، كما كان الحال عند سلفنا الصالح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت