طالب الحق المجتهدُ في الوصول إليه مأجور على اجتهاده أخطأ أو أصاب، وما كان السلف يبدّعون من أخطأ، ولا يفسّقونه ولا يكفّرونه، بل يكتفون بتخطئته ولا يزيدون، والدليل على ذلك قول النبي $: (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) (20) ، ويدل له أيضا ما جاء في الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: بَعَثَ النَّبِيُّ $ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلامِ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ .... حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ $ فَذَكَرْنَاهُ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ $ يَدَهُ، فَقَالَ: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ، مَرَّتَيْنِ ) ) (21) ، فإن خالدا اجتهد وفهم من قولهم: (صبأنا) ، الإعراضَ عن الإسلام، وهم أرادوا أسلمنا، ولم يعاقبه النبي $ وعذره وتحمّل دية من قُتل، وإذا كان الجاهل قد عُذر بجهله في العقيدة، فمن باب أولى المجتهد المتأوّل في الفروع.
والصحابة ومَن بعدهم من أهل القرون الخيّرة، كانوا يختلفون في مسائل العلم، وما كانوا على قول واحد في كل مسألة، وما كانوا يعنفون من خالفهم لو أخطأ أو يجرحونه لمجرد المخالفة، بل كانوا يكتفون ببيان خطئه، ويعذرونه ويترحمون عليه، امتثالا لما علمهم القرآن: (رحماء بينهم(، ( يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم (( 22) .