قال ابن عبد البر: (اجتمع عمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، فجعلا يتذاكران الحديث، قال فجعل عمر يجئ بالشيء مخالفا فيه القاسم، وجعل ذلك يشق على القاسم، حتى تبين فيه، فقال له عمر: لا تفعل فما يسرني أن لي باختلافهم حُمْر النعم، وقال عبد الرحمن بن القاسم بن محمد: لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن أصحاب رسول الله $ لم يختلفوا، لأنه لو كانوا قولا واحدا كان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يُقتدى بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سَعة) (12) ، والأصل في هذا اختلاف الصحابة في فهم حديث النبي $: (لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ) (13) ، وإقرارِ النبي $ لعمل الطائفتين.
والاختلاف داخل جماعات المسلمين، التي تعددت اليوم وانقسمت لعدم سلامة المنهج، يجب تقبله من حيث المبدإ، والتعامل معه بأدب الاختلاف وإن أخطأ، فهو اختلاف اجتهاد وفتوى، وليس اختلافَ بغي، إذ كل فريق من هذه الجماعات طالب للحق، ينزع من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله $، وسيرة أصحابه، وسلف الأمة، وله في فهم الأدلة طريق واستنباط، ومَن رأينا منه الحرص على الاقتداء والاهتداء بهدي النبي $ بصدق ظاهر، فلا نطالب بالتفتيش على سريرته، ونتهمه فيها، فذلك عمل أهل البدع، قال $: (إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ) (14) .
ومن أخطاء عدم الاعتراف باختلاف العلماء أن الصدور لم تتسع للخلاف في مسائل من مواضع الاجتهاد، اختلف فيها من قبلنا من أهل العلم بأدلة وحجج، فليس في الاجتهاد تحجير، ولا يُحتج باجتهاد على اجتهاد، وليس للعالم أن يُكره الناس على اتباع قوله وفتواه، ولا أن يُشنِّع على من خالفها، إلا إذا كانت فتوى المخالف شاذة لا يحتملها الدليل، أما إذا كانت الفتوى يحتملها الدليل، فليس لمن رأى خلافها من أهل العلم أن ينكر على أهلها، ولا أن يُلزمهم بترك ما عندهم إلى ما عنده.