التضارب في الخطاب مع الآخرين في القضايا الدينية، وما ترتب على ذلك من التشدد والتعصب جوهر أسبابه فقد المرجعية، وأن الاجتهاد الجماعي لم يأخذ بعد مكانه من الأهمية والتطبيق، في دوائر البحوث والفتوى في بلاد المسلمين، ووجوده لا يزال حبيس عدد من المجامع الفقهية، وهي على قلة إمكاناتها، وضعف دعمها المالي والمعنوي، الذي لا يمكنها حتى من توسيع قاعدتها، لِتضم كل من تحتاج إليه من المؤَهَّلين والباحثين ـ هي أيضا لا تتعامل إلا مع نوازل محدودة جدا، لا تتصل بحل المشكلات اليومية لعامة الناس، وإنما تعالج قضايا خاصة، ترفع إليها بتوصيات من النخبة والخاصة، وبذلك بقيت النوازل اليومية ـ التي لها التأثير المباشر في حياة المسلمين ـ للاجتهادات الفردية، ونشأ عنها ما نراه من التضارب والتشدد في الخطاب، الأمر الذي كان منه أثر عظيم الضرر على حياتنا العلمية، وتفككنا الاجتماعي، فقد فرق تعدد مشارب الخطاب الديني مع الآخرين شباب الأمة، وأفسد ذات البين، وأعطى لأعداء الإسلام ذريعة تأليب الأمم عليه والكيدِ لأهله.
وتوسيع قاعدة الاجتهاد الجماعي إذا أردنا أن نعطيه دوره المؤمل، يكون بوضع منهج شامل قابل للتطبيق، يوضح أسسه، ويضمن نجاحه، ومن أول أسسه وركائزه ما يلي:
1 ـ صدق النية من الحكومات والمؤسسات في دعمه المادي والمعنوي، وإعطاء آرائه ومشوراته الصلاحيات الإدارية والمالية، التي تعطى في الوقت الحاضر للإدارات القانونية، ومستشاري القانون الوضعي، بحيث لا تخلو إدارة في الدولة، ولا مؤسسة من مستشار شرعي.