الصفحة 31 من 34

إذا سلمنا بأنَّ التدرُّج هو أسلوب العلاج الذي يجب أنْ يطبق لصياغة المجتمع على وفق منهج الإسلام، فمن أين نبدأ بالتدرُّج؟

إنَّ البداية التي يجب أنْ نبدأ بها هي نفس بداية النبي - صلى الله عليه وسلم - التي بدأ بها في تربية الأُمَّة وهي تثبيت العقيدة في قلوب الناس.

ولا أقصد بالعقيدة ذلك الجدل الكلامي الذي لا يؤتي ثمارًا ولا يزيد إيمانًا، ولا يدفع إلى عمل.

إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبدأ بذلك، ولكن بدأ بتمكين أصول الإيمان بالله تعالى من توحيد لله وإيمان بالملائكة والكتب السماوية والرسل واليوم الآخر، يقول الأستاذ/مناع القطان:"لقد كان القرآن بادئ ذي بدء يتناول أصول الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب وجزاء وجنة ونار، ويقيم على ذلك الحجج والبراهين، حتى يستأصل من نفوس المشركين العقائد الوثنية ويغرس فيها عقيدة الإسلام" [1] .

لقد كان القرآن يخاطب قلوب المشركين ويلفت أنظارهم إلى هذا الكون الواسع ليتدبروا فيه حتى يصلوا إلى توحيد الله، وكان كذلك يذكرهم بالبعث والجزاء والجنة والنار، حتى يهيئهم لاستقبال الشرائع ثم العمل بها.

يقول سيد قطب:"وبعد فلا بُدَّ أنْ نقول كيف عالج القرآن المكي قضية العقيدة في خلال الثلاثة عشر عامًا، .. أنَّه لم يعرضها في صورة نظرية، ولا في صورة لاهوت، ولم يعرضها في صورة جدل كلامي كالذي زاوله ما يسمى علم التوحيد، كلا، لقد كان القرآن الكريم يخاطب فطرة الإنسان بما في وجوده هو وبما في الوجود حوله من دلائل وإيحاءات، كان يستنقذ فطرته من الركام ويخلص أجهزة الاستقبال الفطرية مما ران عليها وعطل وظائفها ويفتح منافذ الفطرة لتتلقى الموحيات المؤثرة وتستجيب لها" [2] .

(1) التشريع والفقه في الإسلام: مناع القطان، الطبعة الثانية، ص 52.

(2) معالم في الطريق، الطبعة الثانية، دار الشروق، ص 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت