والناظر في أحوال المجتمعات المسلمة اليوم لا يجدها تشكو من كثرة الإلحاد بالله تعالى، بل المسلمون جميعهم يقرون بوجود الله تعالى، ولكن مجتمعاتنا الإسلامية اليوم تشكو من ضعف الإيمان، والذي ترتب عليه ترك كثير من أحكام الإسلام، لا كفرًا وجحودًا بها، بل تهاونًا ونسيانًا، فإذا عمرت هذه القلوب بالإيمان انطلقت مرة أخرى نحو الله تعالى، تبتغي مرضاته وترجو غفرانه.
ومن أهم ما يزيد الإيمان التذكير بوجود الله تعالى، واطّلاعه على الغيب والشهادة، وعلمه خائنة الأعين وما تخفى الصدور، والاستدلال في ذلك بخلق الكون والإعجاز البلاغي والعلمي للقرآن الكريم، ثم بعد ذلك التذكير بالبعث والجزاء، والجنة والنار، لأن المسلم الذي ينسى اليوم الآخر، ينسى طاعة الله عزَّ وجلَّ، وإذا ذكر بذلك اليوم وما فيه من حساب وجزاء فقد يثوب ويرجع إلى الله تعالى.
وهذا ما فعله القرآن في بداية الدعوة ، فقد كان من أوائل ما نزل ذكر الجنة والنار، كما جاء عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنَّها قالت:"إنَّما نزل أول ما نزل منه ـ أي القرآن ـ سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزِّنى أبدًا" [1] .
وليس هذا هو الدواء في كل وقت ومع أي مجتمع، بل قد تختلف المجتمعات في درجة التزامها بالدين وفهمها له، فعلى الداعية أنْ ينظر في المجتمع المراد إصلاحه بنظر الخبير الفاحص ثم يجتهد بماذا يبدأ لهم، ثم يتدرج بهم بعد ذلك إلى أنْ يصل إلى مراده.
خاتمة:
(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، طبعة دار الفكر، 9/39.