الصفحة 29 من 34

إنَّ لهذه السُّنَّة الإلهية ـ سنة التدرُّج ـ حِكَمًا عميقة وأسرارًا دقيقة، يجب أنْ يفطن إليها الدعاة إلى الله ويفقهوها، لأنَّ تربية الأمم والمجتمعات لا تتم إلاَّ بهذه السنة الكونية والطريقة النبوية، والتربية على منهج الإسلام تحتاج إلى جهد كبير ووقت طويل، ولا تتم بين يوم وليلة، يقول الأستاذ/سيد قطب:"ولقد جاء هذا القرآن ليربي أمة، ولينشئ مجتمعًا، ويقيم نظامًا، والتربية تحتاج إلى زمن وتأثُّر وانفعال بالكلمة، وإلى حركة تترجم التأثُّر والانفعال إلى واقع، والنفس البشرية لا تتحول تحوُّلًا كاملًا شاملًا بين يوم وليلة بقراءة كتاب شامل للمنهج الجديد، إنَّما تتأثر يومًا بعد يوم بطرف من هذا المنهج وتتدرج في مراقيه رويدًا رويدًا، وتعتاد على حمل تكاليفه شيئًا فشيئًا فلا تجفل منه كما تجفل لو قدم لها ضخمًا ثقيلًا عسيرًا" [1] .

إنَّ التدرُّج يعين كل داعٍ في إصلاح كل بيئة لا تألف هذه الدعوة ولم تعهدها قبل ذلك. والداعية الذي يريد تأثيرًا لكلماته وثمارًا لدعوته فعليه أنْ يسلك هذا الطريق النبوي في الدعوة إلى الإسلام، لأنَّ بهذه الطريقة بنى النبي - صلى الله عليه وسلم - دولة الإسلام، يقول الإمام ابن تيمية:"فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان بيانه كما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - شيئًا فشيئًا بمنزلة بيان الرسول لما بعث شيئًا فشيئًا، ومعلوم أنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يبلغ إلاَّ ما أمكن عمله والعمل به، ولم تأت الشريعة جملة ، كما يقال: إذا أردت أن تطاع فَامُرْ بما يستطاع" [2] .

(1) في ظلال القرآن: سيد قطب، الطبعة الحادية عشرة، 5/2562.

(2) مجموع فتاوي ابن تيمية، 30/60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت