الصفحة 27 من 34

ومما يدلُّ على أنَّ التدرُّج في التطبيق باقٍ حتى بعد استقرار الأحكام ويمكن الأخذ به لتربية المجتمع على منهاج الله تعالى، حديث معاذ - رضي الله عنه - لما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن فقد روى ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: (قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن أنك تأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أنْ يشهدوا ألا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، فإنْ هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنَّ الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإنْ هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنَّ الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإنْ هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب) [1] .

(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري: لابن حجر العسقلاني، كتاب الزكاة، برقم 1496، طبعة دار الفكر، 3/357. وقد أشكل على العلماء هنا عدم ذكر الصوم والحج فأجابوا عنه بعدة إجابات منها ما قاله ابن حجر:"قال الكرماني: فإنَّ اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كرّر في القرآن الكريم، فمن ثَمَّ لم يذكر الصوم والحج في هذا الحديث مع أنهما من أركان الإسلام، والسر في ذلك أنَّ الصلاة والزكاة إذا وجبا على المكلف لا يسقطان عنه أصلًا، بخلاف الصوم فإنه قد يسقط بالفدية والحج فإنَّ الغير قد يقوم مقامه فيه كما في المعضود، ويحتمل أنه حينئذٍ لم يشرع"أ. هـ..وقال شيخ الإسلام:"إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشارع منه بشيء، فحديث ابن عمر بُني الإسلام على خمس، فإذا كان في الدعاء إلى الإسلام اكتفى بالأركان الثلاثة: الشهادة والصلاة والزكاة ولو بعد وجود فرض الصوم والحج كقوله تعالى [التوبة: 11] في موضعين من براءة، مع أنَّ نزولهما بعد فرض الصوم والحج قطعًا، وحديث ابن عمر أيضًا: (أمرت أنْ أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وغير ذلك من الأحاديث قال: والحكمة في ذلك أن الأركان خمسة: اعتقادي وهو الشهادة، وبدني وهو الصلاة، ومالي وهو الزكاة، اقتصر في الدعاة إلى الإسلام عليها لتفرع الركنين الآخرين عليها، فإنَّ الصوم بدني محض، والحج بدني ومالي. وأيضًا فكلمة الإسلام هي الأصل وهي شاقة على الكفار، والصلوات شاقة لتكرارها، والزكاة شاقة لما في جبلة الإنسان من حب المال، فإذا أذعن المرء لهذه الثلاثة كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليها والله أعلم". فتح الباري، طبعة دار الفكر، 3/361.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت