التأويل الثاني: ما ذهب إليه جماعة من العلماء ومنهم الفراء: وهو أن حدوث العلم في هذه الآية راجع إلى المخاطبين ، ومثاله أن جاهلًا وعاقلًا اجتمعا ، فيقول الجاهل: الحطب يحرق النار ، ويقول العاقل: بل النار تحرق الحطب ، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه معناه: لنعلم أينا الجاهل ، فكذلك قوله: { إلا لنعلم } إلالتعلموا والغرض من هذا الجنس من الكلام: الاستمالة والرفق في الخطاب ، كقوله: { وإنا أو إياكم لعلى هدى } [ سبأ: 24 ] فأضاف الكلام الموهم للشك إلى نفسه ترقيقاللخطاب ورفقا بالمخاطب ، فكذا قوله: { إلا لنعلم } .وقد ذكر نحوه الإمام البيهقي في الأسماء والصفات .حيث قال الإمام البيهقي بسنده إلى:يحيى بن زياد الفراء ، فيقوله عز وجل: {وما كان له عليهم من سلطان} أي حجة يضلهم به إلا أنا سلطناه عليهم لنعلم من يؤمن بالآخرة قال: فإن قال قائل: إن الله خبرهم بتسليط إبليس وبغيرتسليطه قلت: مثل هذا في القرآن كثير.قال الله عز وجل: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين} وهو يعلم المجاهدين والصابرين بغير ابتلاء ففيه وجهان: أحدهما أن العرب تشترط للجاهل إذا كلمته شبه هذا شرطا تسنده إلى أنفسها وهي عالمة ،ومخرج الكلام كأنه لمن لا يعلم: من ذلك أن يقول القائل: النار تحرق الحطب ، فيقول الجاهل: بل الحطب يحرق النار فيقول العالم: سنأتي بحطب ونار لنعلم أيهما يأكل صاحبه ، أو قال: أيهما يحرق صاحبه ، وهو عالم فهذا وجه بيّن.