الصفحة 9 من 28

وافترضوا أن الإنسان الأول كان يعيش في عزلة تامة. ويتمتع بالحقوق من غير أن يتدخل الآخرون لتحديد ما يأخذ وما يدع ، ثم اختلط بالآخرين وعاش في مجتمع ، وخرج بذلك عن العزلة التي كان يعيشها، وترتب على عيشه في مجتمع تعارض المصالح أو الحقوق، فتنازل الناس عن بعض حقوقهم لفرد هو الرئيس لينظم لهم العلاقة الاجتماعية الطارئة على العزلة ، ومن ثم فليس للحاكم التدخل إلا بالقدر الضروري لتنظيم العلاقة الاجتماعية، وتدخله هو القانون استثناء لتنظيم الحقوق الموجودة أصلًا .

وذهب أصحاب المذاهب الجماعية بمختلف درجاتها إلى أن جميع الموجودات خلقت لمصلحة الجميع، ومن ثم لا يستأثر بها أحد دون الآخرين إلا بقانون، وعليه لا ينشأ حق للفرد بما في ذلك حق الحرية إلا بالقانون ، والأصل عندهم الحظر ، والاستثناء الإباحة ، ولعلهم لا يسلمون بالعزلة .

ثم ظهر متمردون على المذهبين السابقين بدعوى تخليص القانون من الأفكار الخيالية ومنها ـ في نظرهم ـ الحق حيث يرون أن فكرة عيش الإنسان الأول في عزلة، وفكرة تنازل المجتمع عن بعض حقوقه للحاكم ، وفكرة التمتع بالحقوق في فترة العزلة، كلها عبارة عن خيال ليس له ما يثبته في الواقع، بل أن الإنسان في رأيهم لم يعش في عزلة أبدًا . ولذا استبدلوا فكرة الحق بالمركز القانوني ، فالمركز الذي يشغله الإنسان يكون إيجابيًا إذا كان يأخذ أو يُلّزم الآخرين ، ويكون سلبيًا إذا كان يُعطي أو يلزّم تجاه الآخرين . وذلك لأن الإرادات متساوية ولكن يكلف الشخص بعمل أو بالامتناع عن عمل لصالح غيره ، ومن هنا يكون المكلف في مركز سلبي، والمكلف لمصلحته، أو المستفيد من التكليف في مركز إيجابي [1] .

وفي التحقيق أن فكرة المركز القانوني هي نفس فكرة الحق ولم تأت بجديد غير زيادة التعقيد .

(1) مدخل لدراسة القانون وتطبيق الشريعة الإسلامية للدكتور / عبد الناصر توفيق العطار الطبعة الثانية ص 416 وما بعدها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت