وقد جاء نصه على ذلك ؛ قال جرير بن عبد لحميد الكوفي: (( لما ورد شعبة البصرة ، قالوا له: حدثنا عن ثقات أصحابك ؟ قال: إن حدثتكم عن ثقات أصحابي ، فإنما أحدثكم عن نُفير يسير(1) )) (2) .
فشعبة من جهة ـ وهو متشدد في الجرح والتعديل ـ أراد بالقلِّة: الثقات الأثبات عنده ، بدليل ما تقدم من تصريح الأئمة النقاد أهل الاستقراء بأن غالب شيوخه ثقات ومتوسطي الحال ، وأما الضعفاء فقلِّة منهم .
وأراد من جهة أخرى أنه: يروي عن الضعفاء ، لكنه ينتقي ثابت مروياتهم عنده (3) .
ومن ذلك: صنيعه في موسى بن عُبيدة الرَّبَذي ، ضعيف ، روى عنه ثابت مروياته (4) ؛ من أجل ذلك نص الإمام أبو عبد الله أحمد بأن شعبة حدث انتقاءً متجنبًا مناكيره ، قال الفضل بن زياد: (( سمعت أبا عبد الله وسأله أبو جعفر: أيما أحب إليك موسى بن عُبيدة أو محمد بن إسحاق ؟ قال: لا ، محمد بن إسحاق ، قلت له: روى شعبة عن موسى بن عُبيدة ؟ قال: نعم ، فقال أبو جعفر:"يقول شعبة: عن أبي عبد العزيز الرَّبَذي"؟ قال: نعم ، لم يرو عنه شعبة حديثًا منكرًا ) ) (5) .
(1) اقتصر الحافظ الناقد ابن رجب على ذلك ، وفي بقية المصادر زاد جرير بن عبد الحميد في آخره عنه قوله: (( من هذه الشيعة: الحكم بن عتيبه ، وسلمة بن كهيل ، وحبيب بن أبي ثابت ، ومنصور ) )، والذي يظهر أن جريرًا هو الواصف لهم بالتشيع ، وجرير نفسه فيه تشيع ، وهو يكثر في أهل الكوفة ؛ قال قتيبة:"ثنا جرير الحافظ المقدم ، لكني سمعته يشتم معاوية علانية"؛ تهذيب التهذيب 2/65. لذا تضعف نسبته هذا الوصف إلى شعبة ؛ لأنها رواية تُؤيد بدعة جرير .
(2) الجرح والتعديل 1/138، 143، مقدمة كامل ابن عدي 1/154، تاريخ مدينة دمشق 22/124، تهذيب الكمال 11/316 ، شرح علل الترمذي 1/376.
(3) انظر ترجمة رقم: 2، 3، 7، 9، 15، 21، 26، 32.
(4) انظر ؛ ترجمة رقم: 27 .
(5) المعرفة والتاريخ 2/101.