لقد استطاع الإسلام بعدله ومساواته وبنائه السليم للدولة الإسلامية التي حوت أممًا عديدة أن يصنع امتزاجًا حضاريًا واسع النطاق على مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغير ذلك مع بقاء أصالة الإسلام واضحة خلال ذلك لأنه دين الله تعالى ودين الدولة الإسلام، وبما أنه حصل تمازج حضاري وأهمه الثقافي فلا بد من دخول كلمات أعجمية وطرق كلام أعجمية.. إن شئنا أو أبينا في هذه البيئة. فالعجمة لم تكن في الأطراف كما رأينا سابقًا إنما دخلت على العرب في هذه المرحلة عقر دارهم في عاصمة خلافتهم بغداد وما حولها في العراق والشام، بل إن في العراق والشام لغات قديمة امتزجت بعض كلماتها باللغة العربية إضافة إلى اللغات الأخرى، وأهمها اللغة الفارسية لقرب إيران من عاصمة الخلافة العباسية بغداد، يقول الدكتور/ شوقي ضيف عن اللغات القديمة: (وليس معنى ذلك أن جميع أصحاب اللغات القديمة هجروا لغاتهم تمامًا، فقد ظلت من ذلك بقايا حتى في أكثر البيئات تعربًا أي في العراق والشام، مما نشأ عنه سقوط بعض كلمات نبطية وآرامية إلى العربية. ولعل أهم لغة قديمة ظلت حية هي الفارسية، لا بين سكان إيران فحسب، بل أيضًا بين سكان الأمصار في العراق، إذ زحفت إليها منذ عصر بني أمية جموع كبيرة منهم، وازداد زحفهم في هذا العصر الذي علا فيه سلطانهم) [1] .
إن نشوء جيل جديد في الامتزاج التناسلي والبيئي والحضاري والثقافي يجعلنا نخشى الله تعالى في أن نَعُدَّ لغة هذه الجيل بل لغة شعرائه دليلًا على تفسير القرآن الكريم، وذلك لأن العجمة أصبحت مؤثرة على اللغة العربية في عقر دارها في الدولة الإسلامية العباسية في العاصمة بغداد وغيرها.
(1) المرجع السابق (ص 91- 92) .