أما الطبقات الثلاث فإننا لا نرد الاحتجاج بشعرها، وذلك لعدم تأثرهم بالعجمة في بيئة أعجمية، أما الطبقة الرابعة فقد تأثرت بالعجمة إلى حد بعيد في بيئتها الأساسية وذلك بعد (150هـ) نتيجة للاندماج التناسلي عن طريق زواج العرب من الأعجميات، أو زواج الأعاجم من العربيات، أو التسري بالإماء عند اختلاف اللغة، وأهم من ذلك الاندماج البيئي الواسع بين العرب والأعاجم في ظل عدالة الإسلام التي بدت واضحة في زمن الخلافة العباسية، وكان ذلك واضحًا في مدينة السلام العاصمة بغداد التي كانت منبع الأدباء واللغويين.
فمما يقول الدكتور/ شوقي ضيف تحت عنوان: (الامتزاج الجنسي واللغوي والثقافي في هذا العصر) : (كانت الدولة العباسية تمتد من حدود الصين وأواسط الهند شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، ومن المحيط الهندي والسودان جنوبًا إلى بلاد الترك والخزر والروم والصقالبة شمالًا،... وكان يعيش فيها منذ القدم شعوب متباينة في الجنس واللغة والثقافة، غير أنها لم تكد تدخل في نطاق العروبة حتى أخذت عناصرها المختلفة تمتزج بالعنصر العربي امتزاجًا قويًا) .
ومن أهم الأسباب التي هيأت لذلك نزول القبائل العربية في الأمم المفتوحة وامتزاجها بشعوبها بالسكنى وعن طريق المصاهرة وتسري الإماء، بحيث غدت بيوت العرب تزخر بالجواري من كل جنس: سنديات وحبشيات وفارسيات وخراسانيات وتركيات وروميات وصقلبيات وبحيث أصبح العربي خالص الدم في بغداد نادرًا، فالكثرة الكثيرة من أبناء العرب أمهاتهم من الجواري والإماء، وكذلك الشأن في الخلفاء أنفسهم...) [1] .
(1) العصر العباسي الأول (ص 19) .