الصفحة 29 من 30

معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى أياجارتا ما أنصف الدهر بيننا ... ولا خطرت منك الهموم ببالِ

تعالَيْ تَرَيْ روحًا لدي ضعيفة ... تعالي أقاسمك الهموم تعالي

أيضحك مأسور وتبكي طليقة ... تردد في جسم يعذب بالي

لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة ... ويسكت محزون ويندب سالِ

ولكن دمعي في الحوادث غالِ [1]

إن أبا فراس الحمداني كان يجمع بين كلمة الشاعر في أقصى مراتبها الأديبة وبين العمل في أقصى سمو له وهو الجهاد في سبيل الله تعالى وهذه ميزة عالية له.

قال الله تعالى: [2] لم يكن أبو فراس يقول ولا يعمل، بل كان من أولئك القليل من الشعراء الذين جمعوا بين سمو الكلمة وسمو العمل- رحمه الله تعالى-، فأمضى حياته شعرًا وجهادًا، فجمع بين عز الكلمة وعز العمل، فكان كالصحابي الجليل الشاعر عبد الله بن رواحة الأنصاري والشاعر الكاتب المجاهد أسامة بن المنقذ الشيباني الشيْزَري وآخرين من الشعراء الذين انتصروا لله سبحانه وتعالى. فلما عزم سيف الدولة على غزو الروم واستخلاف أبي فراس على الشام عز على أبي فراس أن يترك الجهاد إلى الإمارة، ففضل الجهاد ضد الروم وصحبة سيف الدولة به فقال مخاطبًا سيف الدولة:

قال المسير فهز الرمح عامله ... وارتاح في جفنه الصمصامةالخذمُ

حقًا لقد ساءني أمر ذكرت له ... لو لا فراقُك لم يوجد له ألمُ

لا تشغلني بأمر الشام أحرسه ... إن الشآم على من حله حرم

فإن للثغر سورًا من مهابته ... صخوره من أعادي أهله قمم

لا يحرمنّي سيف الدين صُحبتَهُ ... فهي الحياة التي تحيا بها النسم

وما اعترضت عليه في أوامره ... لكن سألتُ، ومن عاداته نَعَم

قُتل أبو فراس الحمداني من قبل موالى أسرته عام 357هـ، وفي ديوانه لما حضرته الوفاة أنشد مخاطبًا ابنته:

أبنيتي لا تحزني ... كل الأنام إلى ذهابِ

نوحي علي بحسرة ... من خلف سترك والحجابِ

قولي إذا ناديتني ... وعييت عن رد الجوابِ

(1) الأبيات في ديوانه (ص126) وفي وفيات الأعيان (2/63) .

(2) سورة الشعراء الآيات 224-227

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت