وأبو تمام شاعر مطبوع لطيف الفطنة دقيق المعاني غواص على ما يستصعب منها، ويعسر تناوله على غيره. لكنه اعترف لأحد المستمعين المعترضين على بيت له فقال: ولكن مثل شعر الرجل عنده مثل أولاده، فيهم الجميل والقبيح، والرشيد والساقط، وكلهم حلوٌ في نفسه، فهو وإن أحب الفاضل لم يبغض الناقص، وإن هوِيَ بقاء المتقدم لم يهوَ موت المتأخر [1] . وقد اعترف له كثير من الفضلاء أنه أشعر أهل زمانه بلا منازل [2] ، مدح المأمون وانتصارات جيشه البهية بقوله:
مُسْتر سِلِيَن إلى الُحُتوف كأنَّما ... بين الُحُتوف وبينَهُم أرحْامُ [3]
ج
وكان المنجمون نصحوا المعتصم ألا يخرج لقتال الروم ليخلص المرأة الهاشمية الأسيرة التي نادت ( وا معتصماه) ، فلما فتح الله على يده وخرب عمورية مسقط رأس ملك الروم في شهر رمضان سنة 223هـ ورجع سالمًا قال أبو تمام قصيدته العصماء التي منها:
السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتبِ ... في حَدِّه الحدُّ بيَن الجِدِّ واللَّعبِ
والعلمُ في شُهُبِ الأرماحِ لامعةً ... بين الخميسين لا في السَّبعِة الشُّهُب [4]
ويقول في عمورية الخربة:
وما رَبْعُ مَيَّة معمُورًا يُطيفُ بِه ... غيلانَ أبْهى رُبىً من ربعها الخرب
ولا الخدودُ وإنْ أدمين من خجلٍ ... أشهى إلى ناظري من خدها التّرب
خليفةَ اللِه جازى اللهُ سَعْيَك عَنْ ... جُرْثُومةِ الدِّين والإسلام والحَسَب
بَصُرْتَ بالرَّاحةِ الكُبْرىَ فَلَم تَرَها ... تَنَالُ إلا عَلَى جِسْرٍ من التَّعِب [5]
ج
(1) الشعر والشعراء (ص511) .
(2) تاريخ بغداد (8/248) .
(3) هذا البيت من قصيدة يمدح بها الخليفة العباسي المأمون - انظر ديوان أبي تمام بشرح الخطيب التبريزي
(4) البيتان في شرح ديوان أبي تمام لمحمد محيي الدين عبد الحميد (ص15-16) .
(5) الأبيات في شرح ديوان أبي تمام لمحمد محيي الدين عبد الحميد (ص21 ،28) .