وكان جده كيسان من عين التمر التي فتحها خالد بن الوليد رضي الله عنه، وسأل أبو بكر رضي الله عنه كيسان عن نسبه فذكر له أنه من عنزة، فلما سمعه عباد من بني عنيزة يقول ذلك استوهبه من أبي بكر رضي الله عنه، وقد كان أسيرًا، وقد كان خالصًا له فوهبه له وأعتقه فتولى عنزة [1] . ومنشؤه بالكوفة وكان يبيع فيها الفخار ثم قال الشعر فبرع فيه وتقدم، وكان غزير البحر لطيف المعاني سهل الألفاظ كثير الافتنان قليل التكلف [2] .
وكان يقول في الغزل والمديح والهجاء قديمًا، ثم تنسك وعدل عن ذلك إلى الشعر في الزهد وطريقه الوعظ، فأحسن القول فيه، وجود وأربى على كل من ذهب ذلك المذهب، وأكثر شعره حِكَم وأمثال، وكان سهل القول، قريب المأخذ، بعيدًا عن التكلف، متقدمًا في الطبع [3] .
مدح الخليفة العباسي المهدي [4] ومدح الرشيد [5] ولأبي العتاهية أوزان في شعره لا تدخل في العروض [6] وذلك لسهولة شعره وسرعته فيه [7] ، اشتهر بحبه لعتبة جارية بنت أبي العباس السفاح وقد شبب بها [8] ، قبل زهده.
ومن روائع شعره في الزهد قصيدة أرسل بها من سجنه إلى هارون الرشيد ومما قال فيها:
خانك الطرف الطموح ... أيها القلب الجموحُ
لدواعي الخير والشرِّ ... دنوٌّ ونزوح
هل لمطلوب بذنب ... توبة منه نصوح
أحسن الله بنا ... أن الخطايا لا تفوح
فإذا المستور منا ... بين ثوبيه فضوح
نح على نفسك يا ... مسكين إن كنت تنوح
لست بالباقي ولو ... عُمّرْتَ ما عمّر نوح
وبكى عندها الرشيد وانتحب [9] .
(1) انظر: الأغاني (3/123) .
(2) الأغاني (3/122) .
(3) تاريخ بغداد (6/250) .
(4) وفيات الأعيان (1/221) .
(5) تاريخ الرسل والملوك للطبري (8/309) .
(6) الأغاني (3/127) .
(7) الشعر والشعراء (ص497) .
(8) الشعر والشعراء (498) .
(9) انظر: الأغاني (3/171) والأبيات في ديوانه (ص59) .