فهل العبادة هي حاجة نفسية اقتضاها واقع الحال ومقام العبودية، وطبيعة العلاقة بين عبد ورب، أم ماذا؟
حقيقة العبادة والعبودية:
لا يمكن إدراك حقيقة العبادة، وفهم مغزاها، والتحقق بمعناها، بالقراءة عنها. ومع ذلك سنحاول أن نبيِّن حقيقتها وأبعادها كما عرفها الشرع لنا. فالإنسان في الحقيقة سيدرك، إذا التزم طريق الشريعة ظاهرًا وباطنًا، بأنه إنما يعبد نفسه، بمعنى أن عبادته لنفسه، فهو المستفيد من هذه العبادة دنيا وآخره، وليس لله في عبادة العابدين أي مكسب أو فائدة. وإنما أمر بها الله كما يأمر الطبيب بدواء معين للقضاء على المرض أو مقاومته. وقد كان من الطبيعي أن تكون العبادات في الشريعة الإسلامية أكمل العبادات المفيدة للإنسان من كل ما جاء في الشرائع التي سبقتها. والبرهان على هذه الحقيقة يمكن التحقق منه بمقارنة الشريعة الإسلامية مع ما ورد في كل الشرائع السابقة واللاحقة، والقوانين الحديثة وما أدت إليه. وهذا سيظهر بسهولة للمنصف الذي لا يمنعه التعصب عن رؤية الحقيقة. إذ إن مقام الرسالة لكل رسول هو مقام معرفي، وقد تميّز الرسل عن بعضهم بمستويات المعرفة، وكان من الطبيعي لكي تكون الرسالة كاملة أن تحتوي على كل الرسالات السماوية السابقة وأن لا تتناقض معها، وأن تضيف إليها ما يلزم لاكتمالها وكمالها. والاكتمال إنما يتقوّم بمساعدة الإنسان على الوصول إلى الخلافة بأسهل الطرق وأقلها إجهادًا. ولا يستطيع أن يعرف الطريق الأكمل إلا الرسول الكامل، لأن كل رسالة لابدَّ أن تكون على مستوى حاملها معرفيًا. والرسول الكامل لابدَّ أن يكون قد جمع علوم كل الرسل في ذاته وزاد عنهم في أمور لم ترد في شرائعهم. ولا يمكن لإنسان أن يأتي بعده بمعرفة تشريعية أو روحية تفوق معرفته، كما لم يأت قبله من هو مثله. ومن هذا المقام قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - [أنا سيد النبيين ولا فخر] (كنز العمال ـ 32040/ج11) .