فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 598

إذًا الظهور ضرورة معرفية اقتضتها حقيقة الألوهية التي لا يمكن أن تعرف إلا من خلال الأسماء بشهود صفاتها الخاصة. وبما أن الإبداع الإلهي لا يمكن أن يشهد ويعرف إلا من مخلوق له القدرة على الإحساس والإدراك لطبيعة الأسماء، جمع الله هذا السر في الإنسان، وهيأ له العلوم والرزق المناسب، فمهّد له الأرض. وسخر له الوجود وقال له { اقرأ } أي إعرف من أنت { واشكر لي ولوالديك } أي، إعرف عظمة خلقي بمعرفتك لنفسك حيث وضعت فيك أسراري وأسمائي، وأشكر لوالديك أمك وأبيك، وأرضك التي تغذيك وشمسك والأكوان التي تدور لتطعمك وتسقيك. قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - [تحفظوا من الأرض فإنها أمكم] (كنز العمال ـ 43458/ج15) . وقال [النخلة عمتكم] . والعمة هي أخت الأب التي تحنو على أولاد أخيها بإطعامهم إذا جاعوا، وهي إشارة إلى دور الطبيعة وقرابتها منا، حيث ظهرت فيها الأسماء الإلهية طائعة لأمر { كن } . وبظهور تجليات الأسماء الإلهية في الطبيعة ظهرت أنوار الألوهية، وغطت الصفات العالم، وبان الكنز المكنون الذي تعلق وجودنا به، فصرنا منه وإليه بما شهدناه منه، وهو العالم بذاته الذي لا يعرف إلا بحدود ما نعرفه عنه، فعلم كل إنسان بالله على قدر معرفته لا على قدر خالقه. وهل يُعرف المبدع بشهودنا لإبداعه؟ سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وعمّا نصف. وهو العظيم الذي لا يدرك إلا بالعجز عن معرفته، ولا يعرف إلا بالحيرة، الذي تدور في إدراك أسرار خلقه العلماء، وتبكي من فرط جمال خلقه الشعراء، ويحنو بإمداد اسمه الرحيم كل والد على ولده، ومن اسمه العليم عرف كل مخلوق زاده، وسار إلى مراده، وهو المقدس عن الجهات والغايات، إذا كانت الغايات تعني الحاجة إلى خلقه. ولكن لابدَّ من طرح السؤال الذي يلح على كثير من الناس، لماذا أنزل الله الشرائع وأمر الناس بعبادته وحرم عبادة أي معبود سواه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت