وفي إشارة إلى أزلية المادة وإبداع الله فيها بالأسباب قال: { أوَلم يرَ الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقًا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون } (الأنبياء/30) . السموات والأرض، المادة، عناصر الخلق، كانتا في الأزل. ولكن الصانع هو العقل الكوني، الذي لابدَّ أن يكون مهيمنًا على المادة الكونية حتّى لا يختل نظامها. وإن كل كائن حي يحتاج إلى عقل مواز لجسده للقيام بدوره في الحياة من البعوضة إلى الإنسان. وعندما يفقد هذا العقل القدرة على توجيه الجسد سيحدث الخلل والدمار للكائن. فكيف تسير آلاف المجرّات وملايين النجوم بنظام مذهل، ونحن نرفض أن نترك حركة سير السيارات لرغبة السائقين العقلاء لأن بعضهم قد يخالف القوانين ويسبب الحوادث. هذا يدلّنا بأن حركة الكون لا يمكن أن تكون عشوائية. وإذا نظرنا إلى أنفسنا وما فينا من القدرات سندرك بأننا لم نمنح ما منحنا من العقل والحواس من صانع لا يملك ما منحنا إياه. ولكن مشاهدة هذا العقل غير ممكنة كما قلنا، وما يشهد منه هو الآثار، الإبداع، المبدَعُ يدلُّ على المبدع، والصنعة تدلّ على الصانع. فبه عرفناه. ونحن الأقرب إليه، وإلا ما كان سخر لنا السموات والأرض، لأن الحكيم لا يسخر الأعلى للأدنى، وإنما يسخر الأدنى للأعلى، ولا يسخر الأقرب إليه للأبعد، بل الأبعد للأقرب، والإنسان هو الأعلى والأقرب، إلا من ابتعد وانحدر عن أصله بجهله وهوى نفسه.