فالعقل الكوني ليس له مكان محدّد، كما إن العقل الإنساني ليس له مكان محدد. والعقل لا يمكن أن يظهر إلا من خلال تأثيره في المادة وإبداعه فيها. ولهذا قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه حين سئل عن مكان الله [إن أهل السماء يطلبونه كما تطلبونه أنتم] .
فالعقل هو أنوار المعرفة، طاقة فاعلة غير مرئية لعالم المثال الكامن في الذات والذي لا يظهر إلا في المادة حين تلبس الأفكار ثوب الطبيعة، وتظهر للحواس بأزيائها المتنوعة، وأشكالها المذهلة. فالمادة ثوب للفكرة لابدَّ منه، ولكن دون الفكرة ستظل مادة لا قيمة لها. وقد تكررت إشارات القرآن إلى خلق الإنسان من طين، وإلى ما يسميه العلماء الانفجار الكوني، وهي إشارات إلى أزلية المادة الكونية، وإبداع الخالق فيها، وبأن الإبداع الإلهي لم يكن في العدم، وإنما في المادة القابلة للتشكل وفقًا لإرادة العقل الحاكم عليها. لقد قال الله تعالى مبينًا وفي بيانه القول الفصل { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } (المؤمنون/12) وقال: { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } (النحل/40) . والشيء هو وجود كما قال الشيخ محيي الدين بن عربي، أي مادة تسمع الأمر وإلا لن يكون الأمر مفيدًا أو مؤثرًا. ولكن كيف تسمع هل بالأذن، فهذا ما يجب أن نتأمله كلما تعمقنا في فهم آيات القرآن؟. لقد بيّن الله أن عملية إبداع الإنسان اقتضت عدّة مراحل إلى حين خلقه. وإن هذا يقتضي منا أن نفهم بأن الأمر التكويني للمادة يتطلب وقتًا مع الأخذ بالأسباب لإنجاز كل إبداع إلهي. والأمر التكويني هو استخدام للأسباب بالطريقة الملائمة. فنحن مثلًا نكلّم المصباح الكهربائي حين نريد إشعاله أو إطفاءه بالضغط على القاطع المخصص لهذا الغرض. ونكلّم باب منزلنا ليفتح بالمفتاح. وهكذا تسمع كل الصناعات البشرية أمر الإنسان وتطيعه. وهذا مثال لما يقتضيه توسيع مفاهيمنا ونحن نقرأ القرآن لكي نفهمه.