فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 598

لقد استنتجنا بأن الصانع لابدَّ أن يملك كل العناصر اللازمة لما يريد أن يصنعه، لأن فاقد الشيء لا يستطيع أن يعطيه. وبما أن الإنسان، وهو من أكمل إبداعات الصانع، يتميّز إضافة لامتلاكه للحواس بامتلاكه للعقل، فإن من صنع الإنسان لابدَّ أن يملك عقلًا أكبر من عقله وحواسًا أعظم من حواسه لكي يصنعه. وإذا كان الماديون يقولون بأن المادة صنعت الإنسان، أو هو نتيجة من نتائج تفاعلاتها، وليس الله، فإنهم سيكونون بذلك قد جعلوا للمادة عقلًا وحواسًا. والعاقل لا يصنع ما لا يريد. ولا يصنع بالصدفة، ولا يصنع دون غاية. وإذا كانوا قد جعلوا للمادة كل هذه الصفات وقبلوا بها، فإنهم يكونون قد جعلوا المادة إلهًا، والخلاف معهم قد انتهى، وإن بقي على المسمى الله، لا على مضمون الاسم. فليعبدوا عقل المادة، الذي ليس هو المادة كما يقررون، وكما نقول. وكما قال الغزالي لهم"الطبيعة ما معناها فلا تخلو أن تكون جمادًا أو حيًا. فإن كان جمادًا كان القول فيه ـ الجماد لا يوصف بالفاعل ـ وإن كان حيًا قلنا هذا الحي لا يخلو أن يكون له فاعل أو لا فاعل له. فإن قيل له فاعل آخر، فالطبيعة كآدم في افتقارها إلى محدث. وإن كانت الطبيعة حية لا فاعل لها ولا علّة، فهي الإله، فأسقطوا لفظة الطبيعة وقولوا إله فهو الذي نريد بيانه، فإن حوادث لا أولية لها محال إلا إذا قلنا فعلت الطبيعة طبيعة فذلك منتف، فلابد من استناد الحوادث إلى مبدأ لا علة له وليس بمعلول أصلًا" (1) . ولكن لماذا إذا كانت الطاقة والمادة أزليتان وهما وجهان لحقيقة واحدة، فلماذا تمَّ في الأديان تقديس العقل الكوني بينما أهملت المادة؟ في الحقيقة إن المادة لم تهمل كليًا في الأديان، فالتوجه نحو الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب في الأديان هو اعتراف رمزي بمكانة المادة من حيث إنها أم تقوم بدور الكشف عن إبداع العقل الكوني الساري في كل ذرات الوجود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت