إنه فوق كل هذا العالم الذي ينمو لكي ينمو، فلا أحد، ولا مخلوق يختار الموت طواعية من أجل المعنى، ولا مخلوق يملأ العالم شعرًا وبلاغة مثل الإنسان، ولا أحد يخلق من توترات قلبه هذا الكم الهائل من الأصوات والأنغام والفنون غير الإنسان، فأين العلاقة بينه وبين غيره من المخلوقات؟ فكيف تزج به الحضارة المعاصرة في طريق الانحدار، وتسدّ عليه أبواب إنسانيته، أبواب انتسابه إلى مجد سامٍ أكبر من التراب، ومخلوقات التراب. أليس هو الكلمة والمعنى والجوهر والجمال، فهل يخدع نفسه، وإن خدعته الفلسفة؟ ولكن ما هو الحل؟ ولماذا لا يسعفه العقل، ولماذا لا يجيبه من خلقه كي يطمئن إلى أنه ليس صدفة من صدف الطبيعة؟... فهل سيتحطم الصمت، ويُكشف عن الحلم الجميل المتواري في أعماق الوجود؟ وهل سيتمكن العقل الذي اخترع هذه الأسئلة المجبولة بدمه ومصيره ومستقبله ومعنى وجوده من الإجابة عليها؟. هذه الأسئلة الحميمة التي لم توجد ولم تظهر إلا بوجود عقل الإنسان، هل ستكون طوق نجاته، أم ستكون كما اكتشف العقل العلمي المادي أداة قتله وتحطيمه ودافعه إلى الانتحار. وإذا كان لا يوجد أي سرٍ آخر غير الطبيعة والإنسان، فهل يوجد سر آخر وراء الطبيعة والإنسان؟ ـ وهل ستنجح مغامراتنا العقلية في الكشف عن هذا السر بعد فشل الآخرين؟.