لقد فشل العقل في الإجابة عن أسئلة الوجود الكبرى التي طرحها وشهد على فشله، كما تبيَّن لنا، الفلاسفة المعاصرون بشكل شبه جماعي. ولم يعد أمام الإنسان إذا كانت هذه كل أدواته المعرفية إلا أن يعترف بالعجز، وأن يقبل بالهزيمة، وأن لا يعود للتفكير بلغز وجوده المحيّر، وأن يقبل بتواضع مصيره، ومقارنته بأي حشرة، تسعى للبقاء، وتعرف كيف تدافع عن مصيرها، وتنعم بقدرها حتّى النهاية دون أن تطرح أي أسئلة. وسواء أثبت العلم أو عجز عن الإثبات بأن الإنسان انحدر من سلالة القرود، وسواء وافق الإنسان على هذا الانتساب أم لم يوافق، فعليه أن لا ينزعج من هذا الانتساب؛ ما دام لا يوجد أي فرق بين الإنسان والحيوانات إلا هذا العقل الذي يتيح له أكثر من غيره أن يبتكر طرقًا للبقاء والهرب من الموت لا تعرفها الحيوانات. فهو سيد في هذا المجال. وهو سيد حتّى على أسود الغابة، فهو يعرف فنون القتل أكثر منها. ويهاجم أبناء جنسه ويقتلهم ليسرق منهم ثرواتهم وطعامهم وعرق جبينهم رغبة في الثراء، وهذا ما لا تفعله الحيوانات إلا إذا جاعت. ولكن ليس مع أبناء جنسها، فهي أرحم بنوعها من الإنسان. وهو يستطيع أن ينصب الكمائن والفخاخ لأقوى الأسود، ويستطيع أن يقبض عليها، وأن يزج بها في حديقة الحيوانات كي يجعلها مجرّد لعبة من ألعابه. إنه الأقوى والأعظم على ساحة الحياة، وما عليه إلا أن يكون الأقوى بين أقرانه لكي يكون الأعظم. فلماذا القلق إذا كانت عناصر القوة التي يملكها قد توَّجته ملكًا على الأرض، وجعلته الوحش الأكبر في سلالة الحيوانات التي ينتمي إليها؟. لماذا لا يقنع بهذا المصير الذي يتمناه أخطر وحوش الغابة، ما دام هذا العقل قد هيّأ لنا أن نطلق النار من بعيد على ما نريد أن نصطاده دون أي تعب حقيقي؟.