وسيقول فرويد عن كل من خالفه"إن تلاميذه مثلهم كمثل الكلاب، يأخذون عَظْمة عن الطاولة ثمَّ يلوكونها بمفردهم في إحدى الزوايا، ولكن تلك العَظْمة لي أنا" (20) . لماذا لم يتركوا له عظامه، ليعالج بها المرضى، الذين تعاونت الفلسفة والعلوم بما فيه التحليل النفسي على تحطيم أحلامهم، وانتزاع الأمل من قلوبهم بزجّهم في دوامة الضياع، بعد الإعلان عن موت العقل، أو عجزه، ودفنه في ضريح، ثمَّ إعلان قدسيته وحث الناس على زيارته والاستفادة من حكمته، كشهيد مقدّس على دروب المعرفة. لقد ارتبك العقل أمام الأسئلة التي كان عليه أن يجيب عليها، ولم يتمكن طوال قرون من الوصول إلى الإجابة، فأراد له الفلاسفة المعاصرون أن يتخلّص من هذه الأسئلة بنسيانها، وأعطوه كل لعب الحضارة ومنتجاتها، وأباحوا له الحرية لكي يعلو أو ينحدر، ولكنهم جرّدوه من الهدف، وحين سأل لماذا سأعلو إذا كانت قد انتهت الغايات والأهداف؟ قيل له لا فرق، عليك أن تختار مصيرك. ووقف الإنسان طويلًا، أيعلو أم ينحدر؟ وقف يتأمل في السؤال الباقي ـ لماذا ـ الذي لا جواب عليه بالعقل، وهو معلّق مثل السؤال ومعه وعنده في الحيرة التي أغلقت كل الطرق أمامه وسرقت منه معنى الحياة. ولما ضاع المعنى غاب الطعم، لأن الإنسان لم يتمكن ولن يستطيع أن يكون بقرة، ولن يستطيع أن ينتمي إلى أسلافه الذين تقول الداروينية إنه منهم، ولن يستطيع أن يكون مجرّد ثعلب ماكر، أو أسد هصور يبحث عن الضحايا والدم. ولن يستطيع أن يكون نملة خبيرة بمواسم الحصاد وأسلوب العيش.