فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 598

إنها مدينة بقوتها المادية لهذه الأخلاق التي أنشأت العلم، كما هي مدينة بضعفها الأخلاقي لمنظومات القيم، التي هدمتها المعرفة نفسها، والتي ما تزال تحاول أن تستند إليها. ولكن هذا التناقض قاتل. إنه هو الذي يحفر الهوة التي نراها تنفتح تحت أقدامنا" (14) . ما هو السبب الذي أدّى إلى فرح كل سيد بأبقاره، وإلى اختيار الأبقار لسادتها عبر وعود الرفاهية والحرية الشخصية ـ الانحراف والشذوذ ـ إذ إن مهمة السيد أن يكون مقنعًا للناخبين، وعلى كل إنسان بمفرده أن يبحث عن هدفه الشخصي في كومة الجدوى التي جعلتها الحضارة طعامًا وجنسًا. لقد غاب الهدف وما بقي للحيوانات المعاصرة غير هذه الكومة التي تبحث فيها عن معنى وجودها"ما من مجتمع، قبل مجتمعنا، عرف مثل هذا التمزق، فلقد كانت مصادر المعرفة ومصادر القيم في الثقافات البدائية، كما هو الأمر، في الثقافات الكلاسيكية، مختلطًا بعضها ببعض بحكم التقاليد الإحيائية. ولأول مرّة في التاريخ، تحاول مدنية ما أن تنشأ وترسّخ جذورها، وهي متعلقة تعلّق اليائس بالتقاليد الإحيائية، تسويغًا لقيمها، على الرغم من أنها تهملها كمصدر للمعرفة والحقيقة. فالمجتمعات"الحرة"في الغرب ما تزال تعلِّم، من رأس شفتها، خليطًا بائسًا من الديانة اليهودية والمسيحية، والتقدمية العلمية، والإيمان بحقوق الإنسان"الطبيعية"والذرائعية النفعية، كأساس لأخلاقها. أما المجتمعات الماركسية فهي تظل تعلِّم الديانة المادية والجدلية في التاريخ، وهذا إطار أخلاقي، أقوى ظاهريًا من إطار المجتمعات الحرة، ولكن ربَّما كان أسرع عطبًا، بحكم ما فيه من صلابة هي التي أعطته ما فيه من قوة، حتّى الآن. ومهما يكن من أمر، فإن كل هذه المنظومات الراسخة الجذور في الإحيائية، بعيدة عن المعرفة العلمية، وبعيدة عن الحقيقة، وغريبة ـ ولنقل آخر الأمر ـ عدوة للعلم الذي تريد استخدامه، دون أن تحترمه أو تخدمه...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت