فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 598

وعلى أيدي هذا الطراز يتقرر المصيران الفكري والمادي، لكل مرحلة متأخرة زمنيًا" (11) . سيحذر كولن ولسون من تقوقع الإنسان في البعد المادي بسبب تحطيمه لحلم المعرفة فيقول"يتيح طبع الإنسان له أن يكون"أكثر حياة"أو"أقل حياة"، فهو يستطيع أن يضبط نفسه ويمارس ذكاءه فيرفع نفسه إلى شكل أعلى من أشكال الحياة، وهكذا يعتبره البشر الآخرون، بصوره أتوماتيكية، زعيمًا. وأما طبع البقرة فإنه لا يتيح لها أن تغيّر نفسها" (12) . وسيلاحظ بصورة مأساوية ماذا تعني ادعاءات الإنسان لانتشال نفسه من كومة الشكوك التي تحاصره بالإبحار على قشة في بحر صاخب، مستندًا إلى رواية دوستويفسكي الشياطين حيث يوضح كيريلوف المشكلة بقوله"إذا قال الإنسان إن الله غير موجود فيجب عليه أن يواجه ما يعنيه ذلك، إنه لابدَّ أن يكون هو الله" (13) . ولكن هل يستطيع؟! ستسعى الفلسفات الحديثة لأن تخلق أهدافًا بعد أن تحطّم العقل بالعجز عن الإجابة على أسئلة الوجود الكبرى، كي لا يصبح الإنسان بقرة، أو زعيمًا على أبقار، ستكون كل مهمته قيادتها إلى المراعي الأكثر خضرة. ستحاول. ولكن بحطام العقل، ولهذا ستفشل. وستكون البشارة أو المأساة بسقوط الحضارة حقيقة لا يمكن تجنبها، لأنه لا فائدة من استمرار الجدال بين المثاليين والماديين إذا حسمت القضية في نصف الكرة الغربي لصالح الماديين. لقد سقط الحلم، وصار كل شيء مباحًا، ونجحت"حرب المعدات"في قيادة القطعان إلى المراعي الخضراء. بسبب الإعلان عن عجز العقل. سيعترف جورج مونو بالمأساة التي صنعتها الفلسفة الحديثة، مع أنه من أنصار المدرسة الداروينية في نظرية الخلق. إنه يقول"الجماعات الحديثة التي نسجها العلم، والتي تعيش على منتجاته، أصبحت تابعة له، كالمدمن على الحشيش بحشيشه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت