فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 598

فهل اعتراف كانت بعجز العقل عن التوغل فيما وراء الطبيعة لرؤية الحقيقة سيضع حدًا لطموحات الفلاسفة وخلافاتهم، وسيكون هذا الاعتراف بمثابة خاتمة لجهود أجيال من الفلاسفة ما زالت تتأرجح بين نظريتين دون أي نتيجة؟ ولكن كيف سيقبل الفلاسفة بهذا الماء البارد الذي صبّه"كانت"فوق نظرياتهم وخلافاتهم؟ سيأتي آخرون ويرفضون هذا التحديد الضيق لدور الفلسفة ولكن"كانت"لم يكن أول من صرّح بعجز العقل، إذ سبقته أصوات، وستستمر بعده كما سنشاهد. إن لوك حدَّد دور الفلسفة مستقبلًا بـ"دراسة العقل البشري"وعند هيوم وبركلي"دراسة الطبيعة البشرية"، وعند كوندياك"تحليل الإحساسات". وهكذا انصرف الفلاسفة في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر عن دراسة أصل الأشياء إلى دراسة أصل الأفكار، فأصبحت الفلسفة بمثابة"إيديولوجيا"أي مجرد علم يدرس الأفكار؛ نشأتها وطريقة تكونها ومدى ترابطها" (4) . وسوف تأتي النظرية الماركسية مستفيدة من الديالكتيك الهيغلي لتنسف كل يقين بالأفكار ما دام قانون الديالكتيك هو الذي يقرر مصير كل حي وكل فكرة. وإن كان التطور عند هيغل باتجاه الروح المطلق، ففي الماركسية كل ما يحدث هو تطور في المادة والحياة."إن جميع النظم الاجتماعية التي تتعاقب في التاريخ ليست سوى مراحل مؤقتة لتطور المجتمع الإنساني، الذي لا نهاية له، من درجة دنيا إلى درجة عليا. فكل درجة ضرورية، ويبررها بالتالي العصر والظروف التي ترجع إليها بنشأتها... فليس هناك، بالنسبة للفلسفة الديالكتية، شيء نهائي، مطلق، مقدّس. إنها ترى حتمية الانهيار في كل شيء" (5) . إنه صراع الأضداد الذي يقود إلى الهدم والبناء من جديد. وسوف تأتي الفلسفة الوجودية مع سارتر (1905 - 1980م) لتقرر أن"مهمة الفلسفة إنما تنحصر في تحرير الإنسان مما هو متصور عقليًا؛ من أجل وضعه وجهًا لوجه أمام وجوده الخاص بوصفه كائنًا حرًا يتوقف مصيره على قراره الشخصي" (6) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت