فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 598

وسوف يقوم"كانت" (1724 - 1804م) بعد قرون بتوجيه ضربة لطموحات العقل، بتأكيده أن العقل يدرك ـ الظواهر لا الأشياء في ذاتها ـ ولهذا سيطالب"كانت"الفلاسفة بالتوجه لدراسة الواقع بدلًا من البحث فيما وراء الطبيعة. أي يجب أن يتغيّر موضوع البحث الفلسفي. وسيحدّده على الشكل التالي"موضوع الفلسفة في نظر كانت هو تحديد العناصر الأولية للمعرفة والعمل، أو تحديد الأسس العقلية التي تقوم عليها حياتنا النظرية والعملية. وإذن فإن الفلسفة نظرية وعملية معًا، والفلسفة النظرية هي التي تحدد الموضوع وتعين طبيعته وتبيّن قوانينه، بينما الفلسفة العملية هي التي"تحقق"هذا الموضوع بأن تنقله من مجال الفكر إلى مجال العمل. فالفلسفة النظرية هي علم"ما هو كائن"بينما الفلسفة العملية هي علم"ما ينبغي أن يكون". وتبعًا لذلك فإن الأولى هي علم المنطق: وموضوعه دراسة المعاني الكلية من حيث صورتها فقط، وعلم الميتافيزيقيا: وموضوعه دراسة تلك المعاني من حيث مادتها، أي في علاقاتها بالأشياء. وإذن فإن موضوع المنطق هو"الحق"، وموضوع الميتافيزيقيا هو"الواقع"أو الوجود الحقيقي، من حيث أن هذا الوجود خاضع لقوانين عقلية أولية سابقة على التجربة. وعلى ذلك فإن الميتافيزيقيا الوحيدة التي يتقبلها كانت هي ذلك العلم الذي يدرس القوانين الأولية للعقل، في علاقاتها بالأشياء. والعقل في نظر كانت إنما يدرك الظواهر، لا"الأشياء في ذاتها"فليس في استطاعة الميتافيزيقيا أن تصل إلى الفصل في حقيقة"المطلق"أو"المعقول"أو"الشيء في ذاته". ومن هنا فإن كانت يقول إن العقل النظري لا يستطيع أن يتوصل إلى إثبات وجود الله، أو حرية الإنسان، أو خلود النفس، ولو أنَّ هذه كلّها مصادرات ـ أو مسلمات ـ يستلزمها العقل العملي في مجال الأخلاق" (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت